Tags

نظر المجتمع الغربي للشرق كمجتمع ساكن,غير متحرك,و نظرة اتهامية لتقويض حضارته المتنوعة بالأدب و الشعر و الطب و ثقافته الغنية بالتراث,فالغزو الاستعماري للمناطق المتعددة لم يكن يحمل هدف السيطرة كهدف مجرد,بل كان خلف ذلك يمهد لطمس ثقافة  بمجمل حركتها التراثية و مصادرتها في محاولة للسيطرة على مقدرات هذه الشعوب و تاريخها.



http://www.orientalistphotography.info/



و اذا شئنا ان نتوسع في هذه المسألة نظرا لأهمية الموضوع و جوهره,ان الاستعمار الغربي أراد في حملاته العسكرية و الاقتصادية ان يستولي ايضا على المقدرات التاريخية و الأثرية و الأدبية وهذه لها مدلولات لطمس حضارات بارزة في التاريخ الاسلامي,و هذه الذهنية الاستعمارية و ان لبست لبوسا حضاريا في العصر الحديث,لا زالت تمعن في في سحق حضارات الشعوب و استبدالها بستار النظام العالمي الجديد,كنظام اقتصادي احادي ضد التفاعل و المشاركة,و لسوق العالم كقطيع واحد ليصبح هذا
القطيع هذا الاقتصاد الرأسمالي المتوحش,من نظامه المالي المتفرد اللى آلية اسواقه المهيمنة,الى اللباس و الغذاء….
و قد شكلت المرأة الشرقية لغزا للمستشرق الغربي نظرا لطبيعة العادات و التقاليد التي  كانت سائدة في المجتمع و خصوصيته  الشرقية من ناحية البناء الاجتماعي ووجهة نظر الدين للمرأة,الى طبيعة الزي,ما سمح بقراءات متعددة فنيا بهذا الخصوص الغالب فيه موضوع التحريف و التزوير و اعطاء صور غير حضارية لطبيعة المرأة الشرقية,ما ابعد القراءة النقدية و التشكيلية الدقيقة و التي مفترض ان تكون مبنية بناء علميا قائم على فهم و خصائص هذا المجتمع و مظهره الجمالي,فالزي مثلا بدل ان يكون منظورا اليه كزي تشكيلي مرتبط بخصائص فكرية و موضوعية,الا انه ذهب الى المنحى المتناقض مع هذا الموضوع ليقدم قراءة ظاهرية مسطحة تستغل الشكل لتدينه سياسيا اكثر مما تدينه فنيا.
عالم الحريم قد اثار مخيلة الغرب,حيث ان حياة المرأة الشرقية كان يلفها الغموض,ومن الصعب الدخول الى عالمها في البيوت و القصور و الحمامات,فقام الفنانون الغربيون بتصويرها بوضعية الاسترخاء و الاثارة,ممددة على الارائك المطرزة و المزينة,و في الحمامات و حولها الجواري يرقصن و هن عاريات,كما في لوحة أنغر”الحمام التركي” و كما رسمها جان ليون جيروم و نقلها الى الغرب كرمز مشتهى للشرق كله,و لم تكن تلك اللوحات الا صورا من خيال المستشرق الغربي,فقد خلق البعض من فناني الاستشراق تصوراته الذاتية عن بلاد الشرق التي كانت مبالغ بها اكثر من الواقع,فكانت صور الحريم قد رسمت في مراسم روما و باريس و لندن معتمدين على موديلات لنساء أوروبيات.
عانت المرأة في معظم البلاد من ظلم و جور و خوف من طبيعة الواقع الصحراوي القاسي في المرحلة التي عرفت بالجاهلية,و لكنها كانت شريكة في الحصانة الذاتية للعائلة و الحماية لها ولا تختلف المرجعيات التاريخية عن حضورها الأدبي في ديوان شعر العرب حيث نطقت الشعر و أسهمت في تعزيز الحياة الشعرية من موقعها,و المراجع كثيرة في هذا الخصوص,الى اسهاماتها في الغناء و الموسيقى,الى أن جاء الاسلام وحرر واقعها من جوانبه الانسانية و أسس لنسق اجتماعي متناسق و عادل,مما جعلها حاضرة أكثر في الميادين الاجتماعية كافة حيث تحررت من نسق عائلي عرقي الى نسق اجتماعي عام و أبلت البلاء الحسن.
و يحتفظ متحف فرحات بآلاف الصور الفوتوغرافية الاستشراقية,بهدف الاحتفاظ بوثائق بصرية و بيئية و تراثية و تاريخية لبلداننا العربية,و لرؤية “أنفسنا بعيون الآخر”,بعيون المستشرق الغربي الذي حمل آلته الفوتوغرافية و ركب البحار لاكتشاف هذا العالم الساحر,و الدخول في تفاصيل يومياته و تقاليده و تراثه و شاعريته.فالصور الموجودة في المتحف هي توثيق لحضارة الشرق و تاريخه,من المغرب الى ايران الى الجزائر و فلسطين و سوريا و لبنان و تركيا…و قد تنوعت مواضيع تلك الصور ما بين الحياة اليومية و طبيعة الشرق الصحراوية و المشاهد الزراعية و العمارة و صور السلاطين و الحكام و الأسواق…أما  صور الحريم,فهي كانت اشباعا لرغبات الغرب و تخيله و نظرته لجسد المرأة الشرقية:”هي التي لا تكاد ترويك,حتى ترجع اليها أكثر تعطشا”لقد صورت المرأة عارية أو شبه عارية,حيث تم استغلال النساء و الفتيات في شمال افريقيا من قبل فنانون غربيون و ذلك  اشباعا لرغباتهم و قسوتهم و نظرتهم الدونية للشرق,و طمعا بكسب بعض النقود.
و هنا نطرح سؤالا:هل كان تصوير المرأة الشرقية عارية او شبه عارية,هو توثيق لحضارة الشرق أو تشويه لها بنقلها للغرب بصورة مناقضة و دونية؟
ان أهمية صور الحريم و بغض النظر عن جماليتها,أنها شاهدة على تزييف صورة الشرق و حضارته ,و النظر اليه نظرة دونية…كمجتمع شهواني و بدائي غير متطور. 
 ان هذا التوجه الاستعماري لم يتمكن من ان يحكم سيطرته الكاملة بدليل انه هناك عدد كبير من الرسامين الاوروبيين تأثروا بطبيعة الشرق و دلالاته الاجتماعية,و مثل هذه النماذج تقدم لطبيعة تفاعل حقيقي للحضارتين(الغربية و الشرقية).
لقد أنتج الغرب حركات ثورية و ديمقراطية و استطاع ان يفصل الدين عن الدولة في خرق انساني مدني دفع بالعلوم الى مستوى امامي وواجه الحداثة بقلب مفتوح و أسهم في القوانين و المواثيق الحديثة,الا أنه وقع في أمرين:مأزق التماهي مع ذاته و عدم قبول الآخر بأكثر من مستوى,ما دفعه في ازماته الداخلية الى اعادة فتح الحدود في اوروبا و انتاج عملة جديدة لهذه الوحدة(اليورو)معيدا الاعتبار للحوار الاوروبي خارج اطار الانقسامات السياسية و الاقتصادية المتعددة.
لكن الأمر الثاني و الاشد ايلاما رغم فارق الثقافتين الاوروبية و المشرقية في الوقت الحالي و ذلك  نتيجة تطويع الثقافة المشرقية لتكون تبعية لسلطة الفكر الاوروبي,و الامر الاكثر تمأزقا و اشكالية هو عدم فهمه المضمر للآخر و عدم قبوله الحوار الثقافي المنطقي,لذا تواجه اوروبا اليوم هذا المازق الى حد أنها تذهب الى تعديل بقوانينها الداخلية بحجة حجم ثقافة الآخر بأنها تملك كلاسيكية انسانية متعددة,و بالتالي فهي عاجزة عن قبول منطق الحضارات و الثقافات و الحوارات و التبادل الفاعل بذلك ,فيما الآخر ينفتح عليها تعيد هي الانغلاق على نفسها و على الآخر تحت حجج منها ,بن لادن و 11أيلول,اصولية اسلامية ساهمت هي في تعويمها لتعيد منطق الطمس على ثقافة عربية مشرقية حية ظلت حاضرة و منفعلة مع المستقبل رغم كل ما أصابها من ضربات.
هذا المأزق الذي وقع فيه الغرب يترجم اليوم على الأرض برفض ظاهرة الحجاب  الذي يعتبر في مضمونه قيمة حضارية,ففرنسا التي تعتبر بلد الحرية و على أرضها أشرق عصر الأنوار,و هي التي نشرت لأول مرة شرعة حقوق الانسان و المواطن,هي نفسها  أخذت على عاتقها اليوم منع المرأة العربية من ارتداء الحجاب على أراضيها,و هو مسألة شخصية تتعلق بحرية الشخص و قناعاته الذاتية .
منطق الطمس ما زال مستمرا…
.بقلم لما فواز حمزة.
Advertisements