Tags

الذكرى الثامنة لرحيل مصطفى الحلاج (15-12-2002)(15-12-2010
مصطفى الحلاج و التجوال في البدائية الحية
By Mustafa El Hallaj



 في 15 كانون الأول 2002,أنهى مصطفى الحلاج بشكل دراماتيكي حياته الملتهبة بوعي الثقافة التشكيلية البدائية الحديثة,فيما كان يجاهد لانقاذ مرسمه”قاعة الانتظار”في دمشق من حريق ناتج عن احتكاك كهربائي,فقضى و هو يعد لأكبر لوحة يتراوح طولها ما بين 93مترا و 114مترا”الجدارية النهرية”,و التي رحل قبل أن يتممها و احترق أجزاء منها معه,ليس لتختزل تجربته فحسب,بل لتكون الشاهد على حلاج معلق كرمز متمرد و شاهد على لغة فنية لا تزال تشكل أسئلة حية في سمات الحياة التكوينية للوحة التشكيلية كمفهوم تراثي و ابداعي حضاري,بمعزل عن التوصيفات والتصنيفات السلبية و الأنتروبولوجية التي عرفت الفن البدائي أنه ما قبل الثقافي أو وحشي أو كحالة سابقة على الحالة الانسانية و أنه فن حيواني و ما قبل التاريخ و التدوين,بينما هو بداية صياغة الأنا  النشوئية الانسانية و فن مبكر و تجسد منطقا أوليا لأشكال الهيكلية للاجتماع البشري.
اجتهد مصطفى الحلاج الفلسطيني ابن يافا(1983),النحات و التشكيلي و الغرافيكي,منذ صغره اللعب بالطين,يدرب اليد على ملاحقة العين و يجمع سرهما؛هذا النهج الفطري قاده الى تجوال متناقضي و مأساوي تكشفي,فبعد طرده من دياره و بيئته الفلسطينية الأولى جراء نكبة 48و ما تلاها من انتهاك فاضح للاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية,جال الحلاج من فلسطين الى الأردن فسورية فلبنان  فمصر,و كان قد أنهى دراسة النحت في القاهرة.تخرج (1968)و تابع دراسات عليا في الأخضر.أقام أول معرض له في القاهرة,و تفرغ الحلاج كليا للعمل الفني فأقام المعارض في البلاد العربيةو الأوروبية بعد أن تشبع أكاديميا في دراسة النحت لادراك زواياه كافة(360درجة),كما تفاعل مع مفهوم اللوحة ابنة الثقافة الفرعونية و السومرية و الفينيقية و الاغريقية و القبطية و الاسلامية,كما اطلع على فنون الشرق الأوسط و أفريقيا و الأميركيتين و الفنون القديمة التي كونت الحضارة,و في سن الأربعين وقف الحلاج حين استقر في لبنان قائلا:”سأبدأ اللعب”,و من بيروت,مختبر الثقافة و الفنون,واجه الحلاج بمعرفته و استخداماته اجتياحات المدارس الأوروبية و تقنياتها الباردة من منطق التعبير الانساني,الريفي و المدني باتجاه الجمالي و التدريب المتواصل.و في ظل النقد المبهور باللوني و الهندسي و تجارب الفانتازيا,لم يأخذ الحلاج حقه النقدي و الاعلامي,بل انساق النقد نحو المناهج الأميركية و الأوروبية و التجريدية و التعبيرية و الواقعية الاشتراكية,حيث تحول الانسان معها الى مهارة تقنية خدمة للسوق و باتت اللوحة أقرب الى عرض الأزياء.في خضم هذه الحالة و جغرافيتها النقدية الواسعة التزم الحلاج الطبيعة الام دون تقليد,و نحت تجربته من الطبيعة و استطاع أن يتأثر بنفسه ناحية التعبير الانساني و الجمالي الى لغة باردة مشحونة بليلها و قتامته,متأججة بأنين ضد النزيف الانساني راسما معاناته الشخصية و معاناة شعبه كعامل أساسي لديه,مغلفا لوحاته بجو أسطوري,يؤسسه الى جانب مفرداته البدائية التشكيلية و شخوصه,تلك الهالة التي نثرها في سديم اللوحة كوحدة متجانسة متناثرة متناقضة,متشابهة.


By Mustafa Hallaj – self portrait



وقد ساعده فن الغرافيك على تنمية حس طبيعي خاص للوحة,فيها مناخات رتيبة ترحالية و صافية في التعبير و بساطة و تكرار,غلب عليها الأسود كظل و ميل نحو البدائية كنظرة عفوية كأنه فن شعوب أو فن أطفال,كحركة واعية للعودة الى السذاجة و البساطة المتقاربة مع الفنون الشعبية و أساليبها التراثية,ما أحدث تأثيرا مباشرا و لكن في العمق.لقد قارب التقد العلمي بين رسم البدائيين في مغاور”لاسكو”(فرنسا)و بين رسوم ميكل أنجلو في كنيسة السكستين و استخلص أنهما لا يقلان شأنا عن قيمتهما الفنية,ما يتضح أن الابداع البشري و عبقريته و المستوى التقني للحضارة لا يسيران سيرا مطردا.
الجميل في سيرة مصطفى الحلاج أنه التقى ناجي العلي,و الأجمل أن ناجي العلي قرأ مليئا لوحة الحلاج,و بين صداقته للحلاج و زياراته المتكررة الي بيت الحلاج في بيروت القريب من جريدة السفير,و عودته الى الى مأواه في مخيم عين الحلوة في صيدا,و بين طفولته التي لم ينساها الى وعيه السياسي,احتدمت لدى رسام حنظلة بدائيته التعبيرية المبسطة و الممزوجة بوعي سياسي في فلسطينيته و عروبته التي تقاطعت مع علوم الحلاج التار
يخية الفنية و فلسطينيتها أيضا و التي ربطت طاقة التعبير بالقضية الملهمة للشعب الفلسطيني.حين استشهد ناجي العلي في لندن,تأثر الحلاج كثيرا و سمى قاعته باسم ناجي العلي و أقام له معرضا.
لم يفرق الحلاج بين غرنيكا و هيروشيما و حلبجة و قانا و جنين…ليؤكد أن السبيل الوحيد هو أن يرسم الفنان معاناته الشخصية التي هي معاناة شعبه,و يؤكد هربرت ريد (مؤرخ الفن الحديث) أن طبيعة الفن الجوهري ليس خاليا من الغرض و ليس أمرا عرضيا.
ان فنانين كبار مالو الى الأسلوب الجمالي و الشعبي البدائي,بول غوغان راح الى الفطرية و الرمزية مستوحيا من جزر هاواي,بابلو بيكاسو استعار عناوين النحت الافريقي(فتيات أفينيون),اللوحة التي حددت انطلاقة بيكاسو في الفن التكعيبي و الأمثلة عديدة…,توفي لحقيقة مفادها أن النمو الثقافي الحضاري غير مرتبط بالحضارة التقنية و هذا ما تنبه له الحلاج في لوحاته و منحوتاته بمعني جلي استمات في الدفاع عنه لوثوقه العميق بكائنيته الانسانية المتمردة ضد الخوف و الفن الأكاديمي و الطبيعي.
لم يوفر مصطفى الحلاج امكانية الا و استخدمها في تطوير مناعة فكرته البسيطة في تقنياتها المتقشفة,نحتيا و حفر على الخشب و لون مجسمات طبيعية و نباتية سميكة,تماهيا مع مفاهيمه لقوانين الفن الأساسية ضمن مفهوم مستدل بالفن البدائي,الى الحياة المعاصرة.
عاش الحلاج تاريخا مليئا بالمرارة و الألم لعدم سيطرته على محيطه الزائف,فاتجه بقوته البسيطة الخارقة لفهم غائية المجتمع بحثا عن وثبة جمالية فيها من قوة الحس و الحركة البطيئة و الهندسة المتناظرة و المتكررة للاقتراب من الواقع,مستخدما الشفافية و التسطيح و خط الأرض و الدائرة و القمر و الترحال و التقرب من الغامض و المجهول و الولادة و الخلود و حركة اللوحة التصويرية في زواياها كافة في سيادة لوحة حلاجية فريدة تخصه بدلالات ستبقى بليغة في رسمها الطفولي المرتبط بالوجود بالوجود ,بتمرد فكري  جمالي يحمل توقيع فلسطين.
ان لمتحف فرحات فرادة في الاهتمام بلوحات مصطفى الحلاج فهو يقتني منها مجموعة من الجداريات النادرة نظرا لتقديره لفنان حمل قضية شعبه و همومه و لاهتمامه بطابعها الانساني و بمعاناة الشعب الفلسطيني,ليضيفها الى مجموعاته الفنية المتعددة و المتميزة,كمجموعة صنع في فلسطين و مجموعة الملتقى الفني التشكيلي في معتقل الخيام و مجموعة سجن عسقلان….تحت عنوان “الفن لأجل الانسانية
Advertisements