يكفي أن تقع منا العين على لوحة من لوحات الفنان السلفادوري جيرالدو غوميز كي نقع في فتنة مضاعفة: الجاذبية الكبرى التي تمارسها على المتلقي لوحاته والفتنة السديمية التي تحبل بها أعماله. إنه فنان بالغ التميز لأنه يشتغل في برازخ تاريخ الفن من غير أن ينصاع كليا أو جزئيا لمداراته وتحولاته، صانعا لنفسه لغة تشكيلية خاصة، منها وبها وعبرها يعيد ابتكار العالم ويشرح عنفه ويستشرف آفاقه.

ولأن غوميز فنان عصامي فإنه يبدو وكأنه يمتح من رحم الأمومة وعالمه الخاص مجمل أدواته، بعفوية لا نستطيع تقدير مدى عمقها، وبطلاقة لا يمكن إلا أن نندهش لعنفوانها وبقوة تصيب منا مقاتل الرغبة والعشق. وهو لذلك يقدم لنا عالما غريبا آسرا، يضج بالصور والألوان والكائنات، ويضج بالحكايات والصراخ والعنف. إنه عالم بكل معاني الكلمة ينحته الفنان في فورة هلوساته، معيدا تشكيل الوجوه والأجساد، مازجا بين الواقعي والسوريالي والهذيان المسترسل، زاجا بالمتلقي في لُجّة التحولات، بحيث إننا ما إن ندخل اللوحة حتى نعيش في دوامة من الخطابات البصرية واللغوية التي ترمي بنا في أعماق وعي ولاوعي الفنان، بصخبه وثرثرته ومداراته الحلزونية.

 

وغوميز فنان متمرد، لا على المجتمع ومشكلاته فقط وإنما أصلا عن الفن. إنه متمرد على طريقة مسرحيي الشارع والفنانين المنبوذين، لأنه يعتبر أن المدرسية في الفن مصنوعة للبلهاء والمعتوهين. وهو لا يعبر عن ذلك فقط ضمنا وإنما في لوحة (مجموعة متحف فرحات) يمنحها هذا العنوان، ساخرا من تاريخ الفن ورموزه. فتراه يمنح لفان جوخ صفة فنان الجدران في الشوارع واضعا بين يديه قنينة رشاشة للألوان، وتراه يجسد الموناليزا في شكل امرأة حولاء تشبه بطابعها الكاريكاتوري امرأة هندية تلبس حذاء بكعب عال… إن هذا الطابع الساخر الذي يطبع أعمال غوميز، يبدأ من الفن نفسه باعتباره فنا جميلا، ليرمي به في سلة المهملات بلامبالاة لا رجعة فيها. إنها سخرية مرحة أحيانا حين تستعمل الطابع الكاريكاتوري لهذا المبتغى وتتطرق بطريقة هجائية لمعطيات سياسية عالمية، ومأساوية أحيانا أخرى حين تلامس قضايا كمأساة سجن أبو غريب (لوحة بالعنوان نفسه، مجموعة متحف فرحات)…

وهذه الهجانة هي موطن تبلور أسلوب الفنان. إنها هجانة تشكيلية لأنها تمتح مصادرها من رسوم الشارع ومن فن البوب ومن الواقعية لجديدة ومن السوريالية… وهي أيضا هجانة تعبيرية لأنها تجمع في لوحة واحدة ما يمكن أن يعبر عنه فنان آخر في سلسلة من اللوحات. من ثم تغدو اللوحة موطنا للتقاطعات والتشاكلات والتداخلات والتشرنقات والتحولات المدوخة التي تجعل بصر المتلقي ينتقل من موضوع لآخر من غير سابق إعلام ومن تعبير لآخر ومن أسلوب لآخر في اللوحة نفسها. إن هدف غوميز هو أن يدعونا من البدء للغطس في عالمه مثلما قد نغطس في بركة آسنة لا صفاء فيها فنلاقي فيها سقط متاع الطبيعة والبشر وقد أخذت صورا مغايرة. وهو بذلك يجعلنا تدريجيا نستأنس بكائناته الكابوسية التي تمارس التشويه والتحويل على كل ما نملكه في ذاكرتنا البصرية من شخصيات سياسية عالمية ومن رموز بصرية (دوناد، ميكي ماوس…) ومن رموز “حضارية”. كل شيء في اللوحة يغدو في خدمة الاحتجاج والتنديد بالحرب وأشكال الاستعباد والتوسع وقهر الشعوب المستضعفة.

ولهذا الغرض لا يتنكف الفنان عن مس رموز كونية كتمثال الحرية. إذ يجسده في وضعية ماجنة مستعرضا قضيبه ويستمني عيانا. وجعل بوش في صورة شيطان بقرنين، ودوناد في شكل سفاح… (لوحة الإمبراطورية النشيطة). يلتقط الفنان المتمرد كل شيء ويعبر عنه بطريقة الملصق ويجاور في عالمه بين الكتابة والتصوير. إنه يمزج بين كل المعطيات حتى لتبدو في كثير من الأحيان أشبه بصرخة مجنونة، هو الفنان المعادي للنظام، لذي يجد في الفوضى ضالته الفنية وفي التنديد والاحتجاج طريقه إلى قول ما يمور في بواطنه. لهذا فإن العددي من لوحاته تلاقي الاستهجان من قبل الكثير من الأوساط، لأن الفنان لا يعرف المهادنة ولا يجد نفسه إلا في طريقته المميزة المبنية على المبالغة والتهويل وعلى عدم رسم الحدود الحمراء التي يمكن أن تقف عندها تعبيريته.

ثمة شيء طفولي يفتن المتلقي في هذه اللوحات: إنها تلوينيتها التي تستقيها من عدم تفضيل لون على آخر بحيث تصير اللوحة لديه أشبه ببانوراما لونية لا مجال فيها إلا لحضور الألوان المباشرة ولغياب التلاوين. والفنان بذلك يؤكد الطابع الخام لفنه والذي يتشارك فيه مع أصحاب هذا الاتجاه ومع البوب آرت والفن المتوحش. هذا الطابع الطفولي يبدو مفارقا كل المفارقة للطابع العنيف أحيانا الذي يجعل غوميز لا يتوانى في التركيب والتهجين لقول ما يمور في دواخله. فهو يلصق مثلا شارة النازية ووضعيتها لقادرة سياسيين قد لا تصل بنا الجرأة السياسية العقلانية لأن نتهمهم بذلك.

هذه المبالغة هي ضرب من التفخيم، وهي الخصيصة التي تتميز بها أعمال هذا الفنان المشاغب شكلا ومضمونا بحيث تنطبع أعماله الأخيرة بنزوع إلى الكشف لا يتورع فيها عن الدفع بأسلوبه إلى حدوده التعبيرية القصوى، كالجمجمة التي تخرج منها الكائنات الهلامية والجسم المسلوخ الذي يحتل وسط اللوحة وتتبدى منه العضلات في عرائها القاهر… وكأننا بالفنان، وهو يتابع تطوير أسلوبه المركب هذا، يدعونا إلى أن نتبنى معه المنظور التالي: لا حقيقة فنية وتعبيرية إلا في مباشرتها الآسرة، ولا مباشرة إلا في تنويع المنظور وتخييل الموضوع، ولا موضوع إلا منظورا إليه من جميع جوانبه.

لهذا فهذه الأعمال وهي تتناول موضوعات متعددة في لوحة واحدة تقوم بالربط بينها بما يشبه الحبل السري، أي من خلال تركيبات متواترة ومتغيرة، بحيث يتجاور الموضوع السياسي العالمي مع التعبير الشخصي الذاتي مع كل ما يمور في ذات الفنان.

يستوحي غوميز في هذا الأسلوب طرائق فن الجداريات كما تبلور في المكسيك وغيرها منذ القرن الماضي وفي ذلك الارتباط الخصب والحي بين الفن والتعبير السياسي. إنه يكمل سلالة قلة من الفنانين العالم ثالثيين الذين لم تستهوهم السوق ورهافة الفنون الجميلة فانساقوا وراء سليقتهم الفنية ليذكّرونا بأن الفن ليس فقط متعة جمالية وإنما موطنا أيضا للرغبة السياسية الجامحة وللتمرد. فاللوحة أيضا ميدان للاحتجاج ضد الظلم في مختلف مظاهره، وضد الحرب وأهوالها، والاضطهاد وكوارثه، وهي تشرع أبوابها لهذه الأحاسيس الجماعية كي تجد فيها موطنا خصوصيا ينبض بالحيوية وبالمتعة الهادفة.

 

د. فريد الزاهي

كاتب وناقد فني. المغرب

 
 

 

Advertisements