حين ارتحلت براندا لوي (من مواليد 1953) من الصين إلى الولايات المتحدة كانت تعلم علم اليقين أنها ستجد في التلاقح بين تكوينها الآسيوي والحضارة الجديدة مرتعا لطموحاتها الفنية المتعددة. فهذه الفنانة قد أضافت إلى تكوينها الأولي في بلادها في مجالي الخط الصيني (على يد أبيها العلامة والخطاط الشهير لوي سيو شونغ) وفي مجال الرسم تكوينات متعددة لم تنته إلا وقد جاوزت الأربعين. هذا التكوين المستمر على يد أشهر الأساتذة في جامعة دولة كاليفورنيا، ثم بجامعةستاندفورد، كان أيضا تكوينا متعددا ومتجددا، الأمر الذي جعلها لا تكتفي بالتقليد الصيني المتمثل بالرسم بالحبر أو الألوان المائية بل تتجاوزه إلى التشكيل المسندي المعاصر واللعب بالمواد الصباغية، بل إلى المنشآت الفنية installations  من حيث هي علائم جديدة في التعبير التشكيلي المعاصر.

لقد وجدت براندا لوي في أعمال الفنان الأمريكي الشهير مارك طوبي مرتكزا شرعيا لتأسيس نظرتها الفنية وأسلوبها الخاص. فهذا الفنان كان قد درس منذ ثلاثينيات القرن الماضي الخط الصيني والياباني واستوحاه بطرائق تشكيلية مبتكرة في “كتابته البيضاء” جعلت أسلوبه يكون ذا أثر واضح في التعبيرية التجريدية لدى جاكسون بولوك. كما أن أعمال الفنان الأمريكي برايس ماردن في تعاملها الحر والشخصي مع هذا الإرث البصري العالمي قد أكد لها أن الاستيحاء “الاستشراقي” إن كان تجربة غيرية فإن الاستيحاء الشرقي نداء للهوية كي تمتح من ذاتها وتضفي طابعا معاصرة على ممارسة تشكيلية ذات هجانة خصيبة.

تظل الفنانة وفية لشغفها بالخط. تستعمله تارة في شكله الأصل باعتباره علائم لغوية تستنطق فيها جسد الحرف من غير تعلق تقاليد “الحروفية” الصينية، ومن غير أن تنصهر في قوانين الكتابة الخطية وفنونها العتيقة. هذا الولع بالخط يتحول لديها إلى ذريعة للممارسة التشكيلية. إنها تفجره تفجيرا، وتجرده تجريدا. والتجريد في اللغة العربية تعرية الجسد مما يغلفه. أي تحويل الجسد إلى أثر. هذا بالضبط ما تبتغيه رندا لوي في عملية مزدوجة: تحويل الخط المقروء إلى وشم بصري مجرد مما يمكن أن يعنيه، وتحويله إلى فضاء تجريدي بالمعنى التشكيلي لهذا المصطلح.

من هنا يكون مدخلنا للعالم الآسر للفنانة. ذلك أن العملية الإبداعية لديها تمر من خلال إعادة تأويل الخط وإعادة تشكيله كي يغدو مادة شكلية وبصرية يمكنها من أن تستعملها على هواها في رسم معالم عالمها الفني. تقول الفنانة في ذلك: “إن عملي يسعى إلى إضاءة ماض كوني عبر الإبداع المتجدد للرموز الدالة على تجربة خصوصية. ففي أعمالي الأولى، قدمت الخط التصويري باعتباره مادة رمزية في لوحاتي. وهذه الخطوط صارت أيقونات فريدة غير صالحة في سياق لساني معين. وقد استعملت التكرار في هذه العملية. وهذا التكرار حطم الكتابة ليدفنها وينبشها في اللوحة”.

من ثم فإن تحويل الخط في مقروئيته إلى آثار يحرر الخط من المعنى القبلي ويحرر الفنانة من قواعد الخط المتوارثة ويحررها من الانتماء لهوية متحجرة لا تتطور. ففي سلسلة يمكن أن نطلق عليها الحدائق المتخيلة تستعمل اللمسة الخطية البيضاء بأشكال متواشجة ومتراكبة ومتداخلة على خلفية متدرجة الألوان تتراقص حاضنة ما يشبه المركز المخضر الذي يمكن أن يشكل موطن النبتة. هذه الكتابة البيضاء، التي تذكر بشكل واضح بالكتابة البيضاء كما اعتمدها مارك طوبي، تعلن عن امتلاك تعبيري تجريدي للمعطى الكتابي وتتعامل معه بحرية حركية لها نظامها الداخلي.

إن هذا المنحى التعبيري هو الذي نجده في سلسلة أخرى تمعن فيها الفنانة في الإحالة إلى الخط وفي الانزياح عن معطياته في الآن نفسه. يتعلق الأمر باستعمال اللون الأسود (في تلميح للحبر الصيني). إنها لوحات أحادية اللون تتحول فيها العلامات إلى نباتات وأشكال عمودية. وفي ذلك كما في سلسلة أخرى سنتعرض لها لاحقا، تعبر عن تملك عميق للإرث الخطي الصيني وعن رغبة جامحة في تحويله إلى مطية للتعبيرات الأكثر توترا والأكثر تعبيرية. فالسواد هنا يتجاوز دلالة الحبر الصيني ليغدو أفقا وسماء للوحة وللحساسية الجديدة التي تبلورها الفنانة من خلال إعادة ابتكار الطبيعة والمرئي. وهو ابتكار يتم من خلال التركيب بين الأحجام والخلفيات بحيث نجد أنفسنا أمام شاشات تخلق منظورا يرتع فيه بصرنا وكأنه في حديقة مجازية متخيلة رسمت ليلا. واللوحة تغدو مجالا للتركيب أيضا إذ تلصق بها الفنانة مستطيلات بيضاء وحمراء، مليئة وفارغة، خالقة في جسد اللوحة إيقاعا ثنائيا تتمكن من خلاله من المزاوجة بين الفراغات المليئة والامتلاء الفارغ. إنها فلسفة الفراغ تجد هنا مجالا جديدا للتبلور. والفراغ كما نعلم هو راحة المعنى ومنتهاه، وأوج الفكر والإحساس حين يصل من خلال التأمل إلى استبطان المرئي وتحويل فوضاه إلى حركة منتظمة…

تجربة براندا لوي ضرب من السياحة الفنية في عوالم المتخيل. إنها تجرب كافة الأحجام والأسندة. ففي أعمال كثيرة تستعمل اللويحات وتصفها في شكل منشآت تشكيلية تتراصف فيها وتتجاور التنويعات على الزهرة أو على القناع أو على موتيفات أخرى مغايرة. هذا الاختيار يجعل من كل معرض لها مسرحة يتحرك فيها بصر المشاهد بين التركيبة المتعددة للويحات واللوحات الهائلة والمنشآت التي تتوسط قاعة العرض. وكأن الفنانة بذلك تخلق سمفونية بصرية تجعل المتلقي يتابع إيقاع تنويعاتها على الموضوع الواحد. ثمة أيضا لدى الفنانة لوحات تعبيرية كلية تتخلى فيها عن دقة أشكالها وتناسجها الذي يشبه الألياف لتنساق وراء اللطخات المكبرة التي تنساب في كل الاتجاهات بحرية إيقاعية أشبه بالوجد الصوفي، خالقة ما يشبه الوجوه والأشكال غير المتحدد.

بيد أن ثمة أعمالا تكاد تنزاح بهذه التجريدية الصارمة إلى نوع من التعبيرية التشخيصية. تلك هي سلسلة الأقنعة/ الرؤوس التي تتحول أحيانا إلى منشأة في اللوحة نفسها، بحيث يغدو الوجه مجالا لاستقبال كافة المواد التي تخترقه وتعيد تشكيله جغرافيته البصرية. إنها وجوه تكاد تفقد هويتها لتتحول إلى مجرد مجال يستقبل دكانة الألوان والأحاسيس العنيفة المتبركنة. وهذه الأعمال ذات الطابع المأساوي النقدي تقابلها أعمال أخرى نرى فيها ما يشبه الجسد الإنساني وقد زجت يه الفنان في لجة المواد المندلقة بحرارة لونية تنبئ عن فكر وقاد ونقاّد. إنها لوحات تنقلنا من الحدائق الخيالة وأجوائها المرحة إلى أجواء وأعماق منشرخة ومتجللة بنظرة مأساوية للعالم.

هكذا يجد المتجول في عالم برندا لوي نفسه مشدودا إلى وجهات متعددة. فهي فنانة تنتقل من تجربة لأخرى بعد أن تستنفد فحواها. وتقود نفسها عبر متاهات تجربة تشكيلية تتحول فيها اللوحة أحيانا إلى مجال يغص بالعلامات والرموز والألوان والأشكال بحيث نخالها وصيتها الأخيرة. هذا الطابع الانفجاري الطافح لدى الفنانة يجعلنا ننشد معها إلى مغاور متخيلها الكثيف. وهي كثافة تفصح عن نظرة متعددة ومتجددة للعالم، وعن قدرة على تحويل مفارقة الذات والعالم إلى مجال لتفجير الأحاسيس بكل الوسائط المتوفرة لديها، من حركية تعبيرية وتشخيصية مأساوية وخطية مؤسلبة، جاعلة منا نستجيب لجماليتها الناتئة ولشظاياها الرائقة أحيانا والعنيفة أخرى…

 

د. فريد الزاهي

ناقد فني. المغرب

 

 

Advertisements