لو قدر لمحمد شمس الدين أن لا يكون فنانا تشكيليا لكان شاعرا أو كاتبا. ذلكم هو الإحساس الذي اعتراني وأنا أضع بصري على مجموعة اللوحات التي تنتمي لمتحف فرحات. إنه إحساس ينبع من الفتنة الآسرة التي تمارسها اللغة الأدبية على الفنان إلى الحد الذي يكرس لها اهتمامه بنوع من العشق الدفين الذي تتآلف فيه كتابات الآخرين مع تموجات اللون والشكل.

في العلاقة التشكيلية التي يقيمها الفنان مع محمود درويش تتبدى هذه الفتنة في شكلها اللانهائي إلى درجة تكاد فيه مقطوعات الشاعر تسيطر على اللوحة وتمنحها نسغها الفني. فالتوازي بين القصيدة المخطوطة بخط الفنان وبين فضاء التماهي البصري التشكيلي يكاد يكون تاما إلى الحد الذي نحس معه أن اللوحة ترزح تحت ثقل القصيدة في حضرة بورتريه محمود درويش الذي يفصل بين الفضاءين. فضاء القصيدة وهو يندرج في التملك الفني يظل عموديا، معاندا لشهوة اللوحة، يكاد يتنصل منها ويكاد يجترح لنفسه فيها نوعا من السلطة الشامخة. تحتضن اللوحة القصيدة بتأطيرها بمساحات تتعامد فيها المقاصد البصرية. تسعى جاهدة لاحتوائها واستبطانها. تدخل معها في لعبة مرآوية أشبه بالتصادي الحي، تنعكس فيها ومعها، تحضنها وتعانقها، جاعلة من أشلائها موطنا لتراصف كلماتها ووقع رجْعها.

لا تسعى هذه اللوحات إلى تأويل القصيدة كلية أو تمثلها وإنما إلى إقامة حوار معها يتحول إلى جوار يتطلبها. وكأن الفنان يستحضر القصيدة ليضعها في موضع النفس، وليحتفي بها في عنفوان حضورها لا في غيابها التأويلي. إنه يجعل منها مكونا معلنا للوحته. ثمة لوحة تسترعي الانتباه بانزياحها عن هذا الاختيار الذي يبدو اختيارا غرافيكيا أكثر منه تشكيليا. هذه اللوحة تستدعي القصيدة بشكل شذري، تلاعبها في كينونتها وتستحضرها في رقصتها داخل اللوحة. إنها تتمثل فيها عنفها وعنفوانها وتتملى في تقاطيع جسدها لتتماوج فيها ومعها. رقصة القصيدة هنا إيقاع جديد يستهوي اللوحة فيحرك سكونيتها ويهيج أوار سعيرها الداخلي، فتموج أبيات القصيدة وحروفها وتشتعل بالرغبة في مراقصة المساحة والألوان. هي الألوان نفسها، لكنها هنا تنفجر حركية وتعبيرية وتلامس القصيدة بما يشبه الرغبة الجامحة في احتوائها. هذه اللوحة تأويل بصري يستدعي الحرف والكلمة والبيت الشعري كي يجعل من الاستحضار ذاك لحظة تفاعل تشكيلي بصري لا توجد فيه القصيدة إلا باعتبارها منطلقا لا هدفا. فيتحول الاحتفاء إلى تملُّك مزدوج للقصيدة وللنفَس الشعري، ويتحول محمود درويش إلى لوحة تترجم ما لا تقوله القصيدة إلا لفظا.

شغف محمد شمس الدين بالمكتوب يجعله يغامر في العوالم الحكائية الأخروية لأبي العلاء المعري. ولعمري إنها لتجربة جديرة بالاهتمام، من حيث إن رسالة الغفران فريدة بتناولها لمواضيع متميزة في التراث العربي، ولأنها تشخص اللامشخص وتمرئي اللامرئي. أليس ذلك هو بشكل ما مبتغى الفن كما عبر عن ذلك بول كلي من قرن خلا؟

تستدعي اللوحة بعض المقاطع الحكائية من رسالة الغفران في اللوحة لتمارس عليها ضربا من الانقطاع. تقتطعها اقتطاعا لتجعل منها ذريعة لضرب من الحكي المجرد التشكيلي. فالفنان لا يرغب في أن يكون نصه البصري تشخيصا غرافيكيا illustration للنص الكتابي، وإلا صار التوازي الذي تحدثنا عنه كمواربة من قبل ضربا من الحوار الخارجي. بل يسعى إلى أن يكون النصان أحدهما صدى للآخر في تواجه مباشر يتم تبعا لحركة تتبنى الدائرة باعتبارها، كما يقول ابن عربي، دائرة حضرة الوجود. إنها لعبة الحياة والموت في طابعها الدائري اللانهائي، وكأن اللوحة تجلي كيانها في كيان القول الانبعاثي.

إن تجربة التعامل مع التراث العربي والمتخيل الأخروي الحكائي فيها يفتح تجربة الفنان على ممكنات جديدة مخصبة تمنح لتخييلية الفن منفتحات عمودية وأفقية: عمودية بما تتيحه له من التجوال في المتخيل التراثي العربي قديما وحاضرا، وأفقيا لأنها تخرجه من مدار الحروفية وتهويماتها الهويانية التي تجعل منها في غالب الأحيان تقدم التجربة التشكيلية في زخمها وغناها قربانا لقدسية الحرف. ما يبتغيه محمد شمس الدين هو تمكين التجربة التشكيلية من الانفتاح التناصي على متخيلات مغايرة لخلق تواشجات شخصية تعبر عن اختيارات متعددة. إن همه الوحيد على ما يبدو لي هو الغوص في آخر الفن التشكيلي لخلق تعاضدات جديدة تمكنه من تجديد الفعل التشكيلي. وفي هذه بالضبط تكمن خصوبة تجربته وصعوبتها في الآن نفسه. وتأتي الصعوبة من توكيد قدرة الفنان على الإقناع بالاختيارات الفكرية والجمالية والتقنية للوحة ومدى قدرتها على السير بهذه التعالقات واللقاءات إلى ما يجعلها مقنعة فنية.

ولعل أكثر هذه التجارب إقناعا في رأيي هي تلك التي يستوحي فيها الفنان التجربة السحرية الطلسمية، سواء في ممكناتها التعبيرية أم في غرابتها وعلاقتها بالرسم الرمزي الواضح منه والمستغلق على الأفهام. والطلسمات التي يبدو أن الفنان استقاها من الكتابات المعروفة للسيوطي كالرحمة في الطب والحكمة، وشمس المعارف الكبرى للبوني، والتي لا تزال تتداول في محيطنا الشعبي بهذا القدر أو ذاك من الأمانة، تبلور متخيلا بصريا (الجداول الرسوم) وعزائم تستنهض الجن والشياطين وتتحدث عن الكنوز وتزعم مداواة جل الأمراض الدفينة منها والظاهرة. وليس هذا الانزلاق لدى الفنان من النص الأدبي الشعري والحكائي إلى النص “الرمزي” سوى بحث عن سر مضاعف: سر الكتابة والرسم، وسر توظيفهما في الفضاء التصويري للوحة. هكذا تتبنى اللوحة الإيقاع السريع والتلغرافي للطلسم والعزيمة والتميمة، فتراها تتخلى عن توزيعها العادي للفضاء لتنحو نحو الخفة والمربعات (وهي أساسية في “النص” الطلسمي” أكثر من الدائرة). هنا تغدو الحروف الكتابية أكثر حرية لأنها تستهدي باللامعنى الذي يسكنها، وتصبح اللمسات أكثر شفافية لأنها تنفتح على الغرابة الإشكالية للنص السحري، وتتآلف المساحات مع ثقوب المعنى التي تسم الخطاب السحري.

نحن إذن هنا أمام ثلاث تجارب تكاملية يتعامل معها الفنان باستعمال الورق والكولاج وبالألوان المائية التي تمكنه من بلورة لوحات حوارية مطبوعة بالتراكب وبالمؤالفة بين الطابع التلويني والخفة أو الكثافة البصرية. ويبدو أن محمد شمس الدين في رحلته الثلاثية هذه يسير نحو استكشاف مفاوز جديدة تكون أقرب إلى مقاصده الجمالية، كان آخرها السحر، وقد يكون رابعها النص الصوفي. ولم لا؟

 

د. فريد الزاهي

كاتب وناقد فني. المغرب

Advertisements