الذاكرة الأولى

 عن رسوم الأطفال والحرب

طفولة الفن هي مستقبله. إنه أمر جوهري تنبه له العديد من مؤسسي الفن الحديث في الغرب بحيث إن مارسيل دوشان لم يفعل سوى محاكاة رغبة الطفل في أن يحول كل شيء يعثر عليه إلى لعبة ليجتثه بهذا الفعل من سياقه الاستعمالي ويحوله إلى شيء مغاير بفعل عملية اللعب وحدها، وأن بيكاسو يرسم بدون منظور ما أي طفل أو كما الرسوم البدائية في إفريقيا. ربما كان هذا الأمر هو ما جعل فلاسفة من قبيل هانز جورج غادامير يضعون مفهوم اللعب في أصل الفن.

لكن، حين يرسم الطفل أشياء جدية وقاسية بل ومأساوية، إلى أي حد يا ترى يمارس اللعب؟ ومن ثم، هل اللعب جدي حتى هذا الحد، حتى حين يتجاوز اللهواني إلى التعبير عن جروح وآلام داخلية؟… أي نعم. اللعب جد لا هزل والطفل الرسام يلتقط الأشياء بشكله الخاص ومن خلال حساسية فريدة قلما نعثر عليها في حساسية الكبار التي غلفتها شاشات الوعي والتفكير والتجارب. الصبي يعيش تجربة الرسم بشكل مباشر مع أحاسيسه. إنها ترجمة من غير وسيط سوى الأدوات التي يستعملها والتي تتمثل غالبا في الأقلام الملونة.

رسوم الطفل بهذا المعنى غير قابلة للتنظير لأن جماليتها تكمن في علاقتها الحسية بالأشياء، وطابعها الرمزي لا يخضع للمتخيل الجماعي وإنما للاوعي الجمعي، أي للأعماق الأولى التي لم تطلها بعد جُلالات الوعي وغُلالات الفكر. وبهذا المعنى أيضا يمكن اعتبار هذه الرسوم رسوما بالعين والجسد لا بالنظرة الجمالية، حتى وهي تفرز جماليتها الخاصة.

لنبدأ بالخواص الأساس التي تنطبع على الصفحة وتجري فيها مجرى الدم. ولنتأمل كيف تعكس موضوع الحرب والغارة الجوية من خلال معطيات خاصة. فهنا تتواتر في الرسوم كافةً آلياتٌ ومدرعاتٌ تطلق قنابل تبدو أكبر من حجمها مقارنة مع حجم المروحيات والطائرات المقاتلة. فما تراه عين الطفل ليس بالأساس المروحيات والطائرات لأنه يعرفها جيدا في حالاتها المدنية، بحيث غالبا ما يتجمع الأطفال ليشاهدوا منبهرين هذه الطيور الحديدية الضخمة تسبح في الفضاء فوق أجسادهم الصغيرة أو ليتابعوا آثار طائرة نفاثة في السماء. إنهم حين يرون ما تطلقه فوقهم من مفرقعات وقنابل جبارة، آنذاك يتحول الانبهار إلى رهبة وخوف وهلع وتساؤل وجودي عن الأسباب التي تجعل هذه الكائنات تزرع الرعب والموت في ما بينهم وبين أعزتهم وأحبتهم، وتدمر العلائم التي تشكل منارات لوعيهم الصغير وأمكنة رمزية لأجسادهم وخطواتهم. والتركيز على القنابل يجعلها تكبر في أعينهم وفي رسومهم لكبر آثارها المدمرة ولفرقعاتها الهائلة التي يعبرون عنها في شكل نجوم لامعة هائلة. تولّد هذه الحالة نوعا رهيبا من الوحدة والعزلة أمام الفعل التدميري يعبر عنها علي برجي بشكل عمودي ويجعل ما حوله ينبت قنابل تتساقط كخيوط المطر، وتحولها نادية السماعي إلى حلبة لمواجهة مباشرة.

أما الموت فيتم التعبير عنه بطريقتين: الجسد المسجى والجسد الجريح. اللون الأحمر يغدو لدى الطفل هنا لونا لا يرمز بل يدل على الموت. الدم يصير حجابا للموت (هيام فوعاني، عبد الله يحفوفي، علي غندور، آية شمس الدين)، بل بالأحرى حجابا للوجود والفضاء الوجودي (علي سعد) وخلفية تأخذ طابعا تشكيليا يتجاوز تخاطيط الرسم التشخيصي. بيد أن الألوان في التعبيرية الطفولية تعيد تأويل نفسها لتمنحنا تلاوين مشتقة (كما لدى فاطمة طبوش وغدير فضل الله) وتدخل في تعبيرية خارج الرمزية المعتادة للألوان، وفي النظر للحرب والعنف والقتل والتدمير نظرة مواربة تستبطن أكثر مما تستظهر.

يتوقف نظري في هذه المجموعة عند “لوحتين” مثيرتين بطريقة تصويرهما وتصورهما وأدائهما التعبيري. فاللوحة المتميزة ليست تلك التي تمنحنا ما ننتظره منها وإنما تلك التي تخلخل نظرتنا وتثير حيرتنا وتنبت في دواخل السؤال.  الأولى لعلي خليفة لأنها رسم قد لا يعبر بطريقة مباشرة عن الحرب وإنما يخلق متخيلا خاصا لها. إنه يدفع بالمرئي إلى حد التجريد العبثي. ثمة أمامنا أرضية تتمازج فيها الخطوط الملونة مع بقع من الأحمر. إنها أشبه بالسديم وفوضى الوجود. وفوقها شكلٌ علينا أن نحدق فيه طويلا كي نتعرف فيه على ما يشبه المروحية. والمروحية تطلق شحنات من القنابل في اتجاه الأرضية. والشكل يبدو للوهلة الأولى أشبه بروبوت عملاق ذي أرجل متحركة أخطبوطية. هكذا يعبر الطفل عن الحرب بالخراب وبلعبة تشكيلية تحول الأرض إلى هلام يذكر بالتعبيرية التجريدية لدى بولوك وغيره… إنها غنائية الذات حين تنطلق من تصوير الإحساس أكثر من انطلاقها من تصوير المرئي العياني…

“اللوحة” الثانية لديانا دقيق، تلعب على السند الورقي وأحادية اللون. فالخلفية سوداء واللون السائد في الخطوط أحمر. مما يخلق ثنائية رمزية فعالة وخصبة في عين المتلقي. أما الرسم فإنه ذو طابع خطاطي لا يهتم بالموضوع أكثر من اهتمامه بطريقة بناء عناصره بشكل موح. والإيحاء هنا يتم من خلال رسم المشهد عبر التخفيف الأسلوبي العفويوبناء الموضوع بشكل يتم معه الإمساك به في اللمسة لا في الرسم التشخيصي.

تشكل هذه المجموعة الغنية من الرسوم ذاكرة متحركة، محمولة على قساوة موضوعها، ومتبلورة عبر رهافة حساسية تستجلي مكامنها في انطباعها على النفس. إنها ذاكرة موازية تؤرخ للحدث من خلال وقعه على الذات. فالأطفال أصحاب الرسوم لم يطلقوا العنان لمخيلتهم وإنما عاشوا الحدث مرتين، من خلال ما عاينوه لأنهم كانوا ضحايا القصف الإسرائيلي على مواطنهم، ولأنهم شخصوه بما مكنتهم منه أناملهم الصغيرة. بل إنه تاريخ موازٍ أيضا يمكّن الأطفال من إخراج ما أبطنوه في ذواتهم، لا ليشكل ذلك فقط ضربا من العلاج من الصدمة وإنما أيضا شهادة بصرية لا تخلو من ومضات وبصمات إبداعية لا تنتظر سوى أن تستعلن لاحقا في شكل مسار فني مرتقب.

د. فريد الزاهي

كاتب وناقد فني. المغرب   

 

Advertisements