التحويل الخيميائي في أعمال فانيسا ستافورد

شاكر لعيبي

 يمكن قراءة أعمال فانيسا  ستافورد من زاويتين منهجيتين متداخلتين:

أنها نوع من الاستشهاد Citation التشكيليّ.

أنها نوع من التحويل  Transmutation الخيميائي لتلك الاستشهادات.

 

فانيسا ستافورد , مجموعة متحف فرحات

فانيسا ستافورد , مجموعة متحف فرحات

إن الاستشهاد في الحقل التشكيلي يمكن، بشكل عام، أن يستند كلياً أو جزئياً إلى مرجع مباشر هو عمل تشكيلي آخر. في تاريخ الفن الحديث هناك أمثلة كثيرة لذلك، منها لوحة رينيه مارغريت “منظور 2” التي استشهدت بلوحة مانيه “الشرفة” 1869 الذي بدوره استشهد بلوحة غويا  “Majas au balcon”. في الفن المعاصر أيضا شهدنا الكثير من الفنانين الذين يعودون إلى أعمال قديمة معروفة كمرجعيات لهم. أنهم يقومون باستشهاد دون الاستلهام الفعلي لتلك المرجعيات لكن بإدماجها في عملهم. الاستشهاد من جهة أخرى هو عنصر من عمل فني يستعيد موضوعاً أو تقنية سابقة، ليصير في نهاية المطاف نوعا من غمزة (clin d’œil)، وليس نسخة مطابقة لعمل سابق.

استشهادات فانيسا ستافورد المتنوعة، الواعية وغير الواعية، بفنانين سابقين مدموجة كلها في عمل فرديّ طريّ وجديد. إنها تذكّر المتلقي، في آن واحد، بأعمال هنري روسو، بالفنانين الأمريكيين الواقعيين المناطقيين régionalistes سنوات الثلاثينيات، بالقليل من الانطباعية والقليل من التعبيرية، وفيها تلميحات إلى حلمية الطيران لدى شاغال.

يقوم الفنان الذي يستشهد، كما تفعل فانيسا  ستافورد، بدور المُرتجِل والمؤوِّل، واضعةً ما تستشهِد به في سياقها الشخصيّ، مانحة إياه معنى ومفهوماً خاصاً بها، في لوحات مختلفة ومستقلة عمن تستشهد بهم. يتعلق الأمر باستراتيجية بلاستيكية تستخرج الفردانية من حيث نعتقد أنها “تقلد” الأعمال الفنية الأخرى.

طريقتها في رسم الطبيعة، خاصةً أسلبة الأوراق وتداخلها وطريقة معالجتها لونياً تذكّر المرء في جميع لوحاتها التي تظهر فيها النباتات بأعمال روسو ، مع ميل لتبسيط تعقديداتها خلافاً لهوس روسو بذلك. أحيانا تذكر بزخرفية ماتيس النباتية. إننا نرى ذلك مثلاً  في لوحاتها (Vannessa Art) و(African History) و(Fantasy) و(Lonely) وغيرها.

الحلم Fantasy, فانيسا ستافورد, مجموعة متحف فرحات

الحلم Fantasy, فانيسا ستافورد, مجموعة متحف فرحات

بالنسبة لمواطنيها يتوجب التذكير أن أعوام الثلاثينيات من القرن العشرين كانت فترة ردة فعل وتمرّد ضد الأساليب القادمة لأمريكا من أوربا. إن واقعيين مدينيين réalistes urbains مثل بن شان Ben Shahn وريجينالد مارش Reginald Marsh ووليم غروبير William Gropper كان يطرحون في لوحاتهم ورسوماتهم الشروط البشرية والتحولات الاقتصادية التي تلت مباشرة أزمة عام 1929 الشهيرة. بينما كان رسّامون مناطقيون مثل غرانت ود Grant Wood وتوماس هارت بينتون Thomas Hart Benton وجون ستيوارت كوري John Stewart Curry يستلهمون الحياة وفلكلور الغرب الأوسط الأمريكي والحياة الريفية. في أعمال فانيسا  ستافورد شيء من أساليب ذلك كله بطريقة ملتوية ومعقدة، كما في عملها (Abu Ghraib , Cheney – Ramsfield) الذي يستعيد روح مشاهد المسرح الاستعراضية التي رسمها ريجينالد مارش نهاية الثلاثينيات، بداية الأربعينيات من القرن الماضي. لكن خلافاً لمواطنيها يوجد في أعمال فانيسا  ستافورد الكثير من المرح والاندفاع الروحيّ والعفوية التي لا نلحظها إلا نادراً في أعمال مواطنيها المذكورين الخارجين في شروط تاريخية موسومة بالكآبة التي يمكن تلمُّسها بوضوح في أعمال غرانت ود.

هناك مؤثرات واستشهادات أخرى: في عملها (Bluebeard) وعملها (Bell Jar) ذكرى بعيدة من أعمال ما بعد الانطباعيين. في أعمال أخرى ثمة محاكاة للطبيعة التي رسموها وتذكير بملمس لوحاتهم. في بعض اللوحات استلهام من تعبيرية ماتيس المرحة وألوان التعبيرية الألمانية الجامحة، دون أن تكون في ذلك كله ضمن الفهرست التشكيلي نفسه على الإطلاق.

هنا تقع منهجية التحويل Transmutation المذكورة التي تصير أعمال فانيسا ستافورد عبرها نوعاً من الخيمياء التي تُنتِج حجرَ الفلاسفة pierre philosophale، حيث تتحوّل الأعمال المستشهَد به المفترَضة تحولات جديدة، مثيرة وشخصية وتختفي منها تقريباً آثار المستشهَد بهم، فلا يبق سوى الهاجس الفردي للفنانة. فإن استخدامها لمرجعيات صور سجن أبي غريب تختلف جذرياً عن الطريقة التي استخدم فيها بوتيرو مثلاً هذه المرجعيات نفسها. لقد وضعتها في إطار الإدانة الواضحة للحرب على العراق، بينما استخدمها بوتيرو، ومعه شريحة كبيرة من الفنانين الأوربيين والأمريكيين في سياقٍ لا علاقة له بالضرورة بمثل هذه الإدانة المخصوصة. لقد وجد الفن الأوربي والأمريكي في مرجعيات صور أبي غريب جميع العناصر التي تعنيه: الجسد العاري المتكوم فوق بعضه الذي يجد بدوره في الذاكرة التشكيلية الأوربية مراجعه منذ الإغريق، النزعات السادية والمازوشية التي درسها التحليل النفسي منذ نهاية القرن التاسع عشر، جميع أنماط الصور الدينية القروسطية المتعلقة بالسحرة ومحاكم التفتيش أو الصلب المسيحي (مثل صورة السجين العراقي المغطي بالأسود مفرداً ذراعيه على شكل صليب) التي تحتل في ذاكرة تاريخ الفن حيزاً واسعا للغاية. كل هذا وغيره، من دون نفي نوايا الاستخدام الحسنة، قد قاد إلى استخدام الصورة بعيداً جداً عن سياقها، وأدرجها لصالح اهتماماته. بعبارة أخرى لصالح فكرته عن الصلب وليس عذاب المصلوبين العراقيين.

في عمل فانيسا  ستافورد لا يوجد، من جهة شيء، من هذا، ومن جهة أخرى لم تختفِ منه روح الطرفة، بل حضرت فيه أسلوبياً لمسة كاريكاتورية نقدية خلافاً للصرامة بل التجهّم الذي استخدمت به الصور ذاتها في أماكن أخرى.

 

اللحية الزرقاء , فانيسا ستافورد, مجموعة متحف فرحات

اللحية الزرقاء , فانيسا ستافورد, مجموعة متحف فرحات

مخيلة فانيسا ستافورد حلمية، طرفوية ولُعُبية رغم أنها أقرب للمخيال الشعبيّ في حالات كثيرة. إن حضور الحَمَل، هذا الحيوان الإنجيلي، قد يجعل المرء يستعيد حضوره في الكثير من أعمال شاغال عن عيد الفصح Pâque، لكنه حاضر هنا بعيدا عن أي مرجعيات إنجيلية. إنه يحضر جوار العديد من الحيوانات الأخرى كالفيلة والطيور والقطط وأبي الهول وغيرها التي تصير، مع العالم النياتي والكائن البشري الملوَّنة كلها ببهجة وفرح ونشوة، جزءً من احتفالية صافية بالسعادة وبالعالم.

في أعمال فانيسا ستافورد يوجد من دون شك شيء من البوب أرت، أو استعادة للتصاوير الشعبية الجماهيرية الأمريكية، والرسوم البدائية لكائنات خرافية نصف مجنحة وكائنات مزوّقة بإفراط متعمّد ومكياج مسرحي بلخطات حمراء على الخدود ومبالغة مقصودة، وتنفيذ للعمائر والمنازل بروح مُؤسْلَبة طفولية ، تمارِس الفنانة عبرها بقوةٍ ومن جديد، عملية التحويل الموصوفة، حيث تتمسك لوحاتها بخصائص تُعزى لمنتجتها في المقام الأول.

هذه المخيلة متعدّدة المصادر، لكن المصادر المتيسّرة للجمهور والمستلهَمة من ثقافة الجمهور، لن تجعل أحداً يستغرب أن تعمل الفنانة بتنفيذ رسوم متحركة وكتب للأطفال. في لوحاتها أثر من اللعب الطفوليّ، في التلوين كما في المخيلة، لكن فيها أيضاً حلم الكائن الناضج بالانسلاخ من الواقع الصارم والمرّ، والرغبة الجامحة بالحب الكامل.

يقوم التلوين بالألوان المائية والغواش بتصعيد عملية التحويل، لكي تنفصل الأعمال عن مرجعياتها المفترَضة وتحتفظ في نهاية الأمر بالوحدة الداخلية التي تلتم الفنانة في نواتها، وتنام أخيراً في روح الغابة. ألم تسمي أحد أعمالها “حلم في الغابة The dream in the Jungle”؟.

فانيسا ستافورد مجموعة متحف فرحات

فانيسا ستافورد مجموعة متحف فرحات

 

 لرؤية المزيد من أعمال الفنانة الرجاء الضغط على الرابط أدناه 

http://vanessastafford.wordpress.com

Advertisements