خصوبة اللامرئي الكوزمولوجيّ في أعمال برندا لوي

 

شاكر لعيبي

 

 

إن خصوبة أنتاج برندا لوي، ووفرته، وخاصة استنادها إلى مفاهيم نظرية محدّدة، يمنح المشاهد لأعمالها الفرصة بتأمل مزدوج مترابط: جماليّ ومفهوميّ.

إذ بقدر ما أن لوي فنانة بلاستيكية plasticienne، كما تشهد سلاسل أعمالها المعروفة، فهي تطلع من فلسفة صوفية تأملية للعالم والكينونة: فلسفة الفن الآسيوية Asiatique المخلوطة بجماليات الحداثة وما بعد الحداثة بطبعتها الأوربية والأمريكية. وهذا أمر يغير قراءة وتأويل أعمالها في نهاية المطاف. وفي هذا السياق بالذات سوف يتوقف المتأمل، في الأقل، أمام سلسلتين أساسيتين لبرندا  لوي: “كتاب سلاسل الصفر  The Book of Zero Series ” 2004، و” سلسلة أزهار من السماء The Flowers from the Sky Series  ” 2004، لأنهما يبدون الأوضح تمثيلاً لهذين القطبين الجماليّ والمفهوميّ.

فالصفر أعطاها مادة تأميلة ثرية ذات جذور تاريخية “مستوحاة من المفاهيم الرياضية والفلسفية للصفر”[1] حيث كما تقول هي نفسها “تتكرر صورة الدائرة، أو شكل الصفر، بصفته رمزاً لا يمثل شيئاً ويقف أيضاً بوصفه مصدراً للطاقة الأولية ووجهةً للذاكرة في تدفق الزمن بين ما مرّ وما هو حاضر”[2]. هذا المفهوم الصفريّ للفنانة يدلّ على سعة اطلاعها التاريخية والحضاريّة وتنوعها مصادرها البلاستيكية، وهو، في الحقيقة، يمُتّ بقرابة إلى التأملات حول الصفر التي طرحها كاندنيسكي في كتابة (نقطة، خط، سطح) حيث يعتبر النقطة (.) صفراً (0)، ذاهباً إلى تعريف النقطة على أنها : “كائن غير مرئيّ، وينبغي لذلك تحديدها كشيء غير ماديّ”[3] ، مضيفاً: “ومن وجهة نظر مادية فالنقطة تماثل الصفر”[4].  وفي الحقيقة فإن تعريفه للنقطة مأخوذ حرفياً من تعريفات الرياضيين والفلاسفة المسلمين كالخوارزمي وأخوان الصفا، ذلك أن النقطة (.) على شكل الصفر (0) هو اختراع متأخر تاريخياً وليس يونانياً على الإطلاق. هنا نرى نوعا من التماثل بين التأملات القديمة، الشرقية والأسيوية، بشأن قضايا الوجود والكون والإنسان. لكن الفنانة تستلهم كذلك الفيلسوف الكونفوشي الصيني منسيوس Mencius (عاش بين السنوات 380-289 قبل الميلاد)، خاصة مفهومه حول الـتشي (ch’i) التي هي الطاقة الأولى للكون. لقد افترض الصينيون نوعين من التشي، الفظ والمرهف. البدن للأول والقلب للثاني. كان منسيوس يتبنى  مفهوما أخلاقياً للحق، يملأ المسافة بين الأرض والسماء، تُمَوْضِعُه الفنانة في فضاء معاصر. في هذا الفضاء تتمركز العناصر التشكيلية لـ “سلسلة كتاب سلاسل الصفر” حيث تظهر فيها تكوينات دائرية لعلها إحالة إلى الكونيّ، وكتابات خطية صينية، وطبيعة paysage غامضة، وتوهجات لونية ساطعة، وخرائط ورموز آسيوية، وكولاجات، وكلها في إطار تنصيبة Instalation كبيرة مستطيلة تتكون من لوحات صغيرة متجاورة بصفوف طولانية توجد بعض الفراغات في صفوفها، دلالةً على اللاكتمال الرمزيّ.

لكن هذه الكاراتوغرافيا تظهر في أعمال أخرى لبرندا لوي بصراحة وكأنها أحالة إلى الكون الكونفوشيوسي، في حين أنها في معرضها Rat Fest”Michael Himowitz Gallery , January 1999 و سلسلة الحديقة “Garden Series ” تعود إلى التصوير على محمل اللوحة التقليدية، وهي تغترف هذه المرة، بشكل بارع، من فن الخط الصيني وتجعل من طابعه البلاستيكي الداخلي عنصراً تشكليلياً يزيح المقروئية lisibility (مثلما فعل بول كليه مع الخط العربي في حقبة ما من عمله)  وتضعه في إطارها الكوزمولوجي ذاته. إن عودتها إلى الخط الصيني ملحوظة في أكثر من سلسلة وعمل، ولعل ارتباطها العاطفي بالخط يمت إلى ارتباط قوي بالثقافة الصينية التي تمنح الخط دوراً بارزاً، وكذلك إلى تشبُّعها بفن الخط عبر والدها الخطاط. لكن فهْم السبب العميق الذي يدعوها  لاستخدام فن الخط الصيني في مشروعها التأمليّ، يستلزم فهم المبادئ الفلسفية التي يستند إليها هذا الخط، فمن بين ستة قوانين له يُعتبر “مبدأ التعبير عن الحيوية الإيقاعية أو الإيقاع الروحيّ في حركة الحياة” عبر الخط أساسياً، لأنه يعني أن على الخطاط أن يذهب إلى ما وراء المظهر البسيط للعالم ويكتشف الإيقاع الكونيّ الكبير. وهنا يطابق عمل الخط مع عمل الفلسفة الصينية التقليدية المهمومة باكتشاف القوانين الروحية السامية الشاملة التي تطوي الكائن وفعله في حركة الوجود.

إن سلسلة الحديقة “Garden Series” تخرج من الهواجس المفهومية نفسها التي تخرج منها  “سلسلة أزهار السماء”، لأنهما يتأملان في دورة الحياة والموت. سلسلة الأزهار مستلهمة من عبارة شهيرة لماو، وتود الانهماك بالمشكلات السوسيولوجية والثقافية الراهنةـ لكنها قبل ذلك كله، تستلهم، من باب خفيّ، المفاهيم الكوزمولوجية التي يطلع منها التصوّر الصينيّ لرسم الطبيعة shanshui وعناصرها، ثم وضعها في سياق الفن المعاصر.

في رسم الطبيعة التقليدي تختلط المفاهيم القادمة من لي جنغ Yi Jing  والطاوية. المنظر الطبيعي هو أولا الجبال والماء اللذان يجسّدان الوحدتين الكوزمولوجيتين: الجبال تطابق مبدأ اليانغ yang والماء مبدأ الين yin. إن أزهار برندا لوي، مثلها مثل رسم الطبيعة الصيني التقليديّ، ليست محاكاة ومشابهة حرفية لما نراه في الطبيعة، لكنها تعبير عن إحساس وأفكار معينة عبر الطريق التصويري. كان بعض الرسامين الصينيين يرسمون، لهذا الهدف، العناصر الطبيعية حتى من دون أن يشاهدوها، وهو نفس الانطباع الذين يتكون لدينا أمام أزهار برندا لوي. لأن هذه الأزهار هي تأملات بالأحرى، هي أفكار وهي مشاعر قبل أن تكون نقلاً أميناً لزهور معينة.  بل من الممكن القول أن “أزهار السماء” هي حياكة بصرية للامرئي، لازدهار روحي داخليّ.

في هذه السلسلة أيضا ذات التقنيات المختلطة والألوان المائية، ثمة عودة إلى مفاهيم عريقة مخصوصة بشأن الفن، من دونها لا يمكن تماماً الاستمتاع بالجماليات المعاصرة التي تشغل بال الفنانة.

يمكن للمرء أن يرى بسهولة أن “التزاوج” البارع بين التقاليد الجمالية والمفهومية، القديمة والحديثة، الآسيوية والغربية، المتعارِضة شكلياً لكن المهمومة بالمسائل نفسها جوهرياً، هو ما يشكل في نهاية المطاف جوهر الفاعلية البلاستيكية لبرندا لوي.

 


[1] Inspired by the mathematical and philosophical concepts of zero.

[2] reiterates the image of a circle, or the figure zero, as a symbol that represents nothing yet also stands as the source of primary energy and aspects of memory in the flow of time between what has passed and that which is present.

[3] ص17

[4] ص17

لمشاهدة المزيد من أعمال الفنانة الرجاء الضغط على الرابط أدناه 

http://www.brendalouie.wordpress.com/

Advertisements