قراءة في أعمال رؤوف رفاعي

 شاكر لعيبي

رؤوف رفاعي, مجموعة متحف فرحات

رؤوف رفاعي, مجموعة متحف فرحات

 

ربما لا يقبل العمل البلاستيكيّ لرؤوف رفاعي  التصنيف الجاهز، فهو يستمتع بالرسم على الحوامل التقليدية كما  ينهمك بالتنصيبات المفومية، وهو يتقلب سعيداً بين التشخيص والتجريد. رغم أنه يبدو أكثر سعادة في أعماله التشخيصية، مثل مجموعته الدراويش. يمكن ملاحظة أن أعماله التجريدية تبقى تحتفظ بالتكوين نفسه والتوزيع المشابه للكتل والأشكال والهيئات التشخيصية بحيث يبدو وكأنه قام بتلخيصٍ وتنقيةٍ لها لكي لا تحتفظ إلا بالجوهريّ التشكيليّ.

أعماله التشخيصية الحرّة يمكن أن تندرج تحت المفهوم العميق للطرفة anecdote، ويمكن قراءتها عبر مساءلة هذا المفهوم، بالعودة إلى الأصل اليوناني للمفردة. وهي تتكون من بادئة نافية (α) وكلمة (εχδοτος). إنها تعني إذنْ غير معروف، غير منشور بالأحرى. لكنها تُستخدم بمعنى خصوصية تاريخية أو سمة أخلاقية أو سلوكية مميَّزة، وبصفتها تفصيلاً ثانوياً لفعل من الأفعال، وبمعنى قصة سريعة مرويّة بروح الطرافة، تُحفظ بسهولة لأنها تخاطب المشاعر والفكاهة والرعب، لذا سهلة النقل شفاهياً. كأننا بهذه التعريف للطرفة المستل من قاموس مشهور نتحدث حرفياً عن غالبية أعمال رؤوف رفاعي.

رؤوف رفاعي , مجموعة متحف فرحات

رؤوف رفاعي , مجموعة متحف فرحات

في الفكر تذهب الطرفة، إذا لم تُستخدم بمعنى الأمر المبتذل العاديّ، إلى معنى المفارَقة paradoxe التي تشعّ بالدلالات. وبهذا المعنى نستخدمها في توصيف أعمال رفاعي. وعلينا في هذا السياق التفريق بين استخدامنا الحالي (للطرفة) ومعنى (الطرافة)المألوف.

إن أعمال “الدرويش” نوع من طُرُفات متكرّرة تودّ التلميح عبر مفارَقة ما، إلى التباسٍ داخليّ أشبه بالطرافة. ففي حين أن الفكرة المألوفة عن “الدرويش” تمنحه هالة صوفية وحالة انجذاب رفيع، وتثبّت له صورة لا مزاح تقريباً فيها، وفي الاستخدام الشعبي توطّن مفاهيم الطيبة التي تصل حدّ السذاجة، فإن الفنان يفكّك هذه الصورة، يبعثرها، يركّز على تفاصيل (مريبة) فيها أو دالة أو تتسم بالمبالَغة، يضخّمها، ويشدّد على ملامح بعينها، وأحياناً يسخر من بعضها.

يعزز هذا المنحى استخدامه للألوان التي تصير، في مرات عديدة، صارخة، صريحة، بل وحشية إذا أمكن القول، وبملامح غرافيكية (رسم Dessin) ذات خط خارجيّ قويّ، وأسلوب طفوليّ أو بملامح فطرية متعمّدة. بهذا تمتزج في أذهان المتلقي المرجعبات وتختلط، سواءً من الناحية التلوينية أو الأسلوبية، وتنصهر كلها في إرادةٍ شخصية بأن يُنشأ الفنان عالماً غرائيبياً، حتى لا نقول غريباً، مكوَّناً من كائنات تشترك بنزوعها الباطنيّ (الأيزوتيريكي ésotérique) المخادِع، لكأنها استعراض خارجيّ لأمر جوانيّ لا يُستعرض للملأ في العادة.

Raouf Rifai (3)

رؤوف رفاعي, مجموعة متحف فرحات

من هنا يمكن أن تكون هذه الطرفة نوعاً من نقد ثقافي ملتزم بالشرط التشكيليّ، ومُنجَز وفق دفقٍ عاطفيّ وشعوريّ، وسرعة في الإنجاز بالأكريليك، وذلك من أجل الاحتفاظ بحرارة الاندفاعة العاطفية الأولى. لكن هذا الأمر يمكن أن يكون أكثر توصيفاً للوحات الدرويش التي تنبني على عنصر واحد أو عنصرين اثنين، وتتميز بالتتقشف التكوينيّ والكروماتيكيّ، وهي كلها تندرج في إطار غير المُنجَزinachevé  عمداً. وهنا مفهوم آخر يمكن أن يكون مفتاحاً آخر لقراءة أعمال رفاعي. نعلم أن غير المكتمْل (أو غير المُنجَز) قد صار منذ أعمال الانطباعي إدغار دوغا أواخر القرن التاسع عشر، ضرباً من قاعدة لجماليات الفن الحديث ثم الفنون المعاصرة. ولعل عبارة جان مارسيل Jean Marcel: “يكمن الجَّمال في كل ما هو غير محدّد وفي غير المُعرَّف، وهنا يقع السبب بأن الأطفال الغامضون دوماً ، هم دائما جميلون. يقع الجَّمال في كل ما هو غير مكتمِل”[1]. الكثير من أعمال رفاعي، خاصة الدرويش، تقع في غير المكتمِل من المناحي كلها، ولأسباب تتعلق بمشروعه ومفاهيم مشروعه التي تقتضي الاختصار والسرعة واقتناص الانطباع الأولي وتمثيل أكبر قدر من أنماط الدراويش.

 

إن لوحات الدراويش التي تتشكل من أكثر من عنصر واحد أو اثنين تبدو، فلأقل، أكثر اكتمالاً، بمعنى أنها تتمسك ببنية بلاستيكية بديهية، غير منفلِتة، وتكوين أكثر تدقيقاً، وتحتفظ بتوازنات داخلية تجعل من الفضاء (لأننا لا نفضّل مفردة الفراغ الفارغة) مناسبة لأن يحضر بصفته عنصراً بلاستيكيا جوهرياً، كما أنها مشغولة بقدر أقلّ من الاندفاع، بحيث أنها التمّتْ على نفسها، وخياراتها، والتبستْ طُرُفاتها حتى صارت تتأرجح بين المرارة والقسوة والطرافة السوداء، بينما وقع الاشتغال على ألوانها بتمعُّن ضمن تقنيات شخصية وحسّاسية مشذّبة إلى حد بعيد، خاصة  تلك التي يطغى فيها اللون الأحمر والألوان الحارة عموماً.

 

رؤوف رفاعي , مجموعة متحف فرحات

رؤوف رفاعي , مجموعة متحف فرحات

إن تنصيبات رفاعي، لا تبدو للوهلة الأولى وهي تمشي بالتوازي مع عمله التصويريّ. ينطلق الفن المفاهيميّ كما نعلم من الفكرة ويفضّلها على التنفيذ، أو يجعل لها الأسبقية. علينا لهذا السبب التفتيش عما يُراد قوله من مفاهيم مبثوثة في تنصيبات رفاعي. ظاهرياً تبدو هذه الأخيرة  مفصولة عن روح الطرفة التي تلمسناها بوضوح في أعمال الأكلريايك، عبر مفردات لا تبدو من الطينة نفسها، لا الإحالات ولا المناخات ذاتها: الهيكل العظمي والدراجات الهوائية أو النارية والبرورتريه النحتي الواقعيّ والإطار المطاطيّ. هذه المفردات أو ما يشابهها لا تظهر إلا بصفتها تعبيراً عن الزائل والمؤقّت، ولعلّ الأقرب منها لروح الطرفة الموصوفة هي أعماله عن (المومياء) و(رأس الدرويش) المستلقي وحده مرةّ ومع كامل جسده مرةّ أخرى. هنا محاولة لجعل المفارَقات تتصاعد، لكي تمسّ وتصل إلى تخوم الميتافيزيقيا: مفهوم الموت، ومعنى الوجود الفيزيقي للكائن الآدميّ. وفي الحالات التي تُطرح فيها المفارَقة على نحو صريح، كما في عمله “بلد واحد… اتجاهين” الذي نرى فيه دراجتين هوائيتين مرتبطتين بحيث تصير مقدّمة كل واحدة منها بالاتجاه المعاكس، فإننا أمام مفهوم الاختلاف التام بين وعيين وفكرتين عن البلد الواحد نفسه، وهي إشارة صريحة إلى وعي لبنان بنفسه وتاريخه حسب تصوُّرين متعارِضين. أما إطار الكاوتشوك الذهبيّ فهو تأمل بفكرة الحاجيات المادية التي تصير هي نفسها القيمة الإنسانية للكائن، كما شرح ذلك بودريار ملياً في كتاباته عن المجتمع الاستهلاكي. هذه التنصيبات تتراوح بين قراءة وجودية ونقد اجتماعي وسياسيّ، قال الفنان لنا عبرها موقفه من العالم والإنسان.

 

يُحْسَب توزُّع الفنان بين التشخيصية والتجريدية والمفاهيمية (التي أودّ أن أُطلق عليها “المفاهيمية الشيئية” لأنها تعبُّر غالباً عبر الأشياء Objets عن المفاهيم، خلافاً للفن المفهوميّ الذي يذهب إلى الكتابيّ والكتابة وكل ما هو غرافيكي) أمراُ معتاداً اليوم في الفن، لأن الحدود النهائية بين الأنواع والتصنيفات الفنية والجمالية لم تعد ذات بال. ما يسعى إليه المبدعون والمتلقون في هذه اللحظة هو اللمعة البلاستيكية الصافية وحدها مهما كانت طبيعة العمل ومهما كان النوع الذي نصنّفه فيه.

 

الشهيد , حائز على جائزة متحف سرسق, رؤوف رفاعي مجموعة متحف فرحات

الشهيد , حائز على جائزة متحف سرسق, رؤوف رفاعي مجموعة متحف فرحات

 


[1] La beauté gît dans tout ce qui est l’indéfini et l’indéfinition ; voilà pourquoi les enfants, qui sont toujours imprécis, toujours sont si beaux. La beauté est dans tout inachevé.

للمزيد من أعمال الفنان رؤوف رفاعي الرجاء الضغط على الرابط أدناه

http://www.raoufrifai.wordpress.com/

Advertisements