This slideshow requires JavaScript.

يثير «إبراهيم أبو الرب» الانفعالات الحسية لتوترات اللون الفسيولوجي، المرتبط بالاحساس الفعلي الانعكاسي الداخلي، فنشعر بنهوض اللون وارتفاعه وتشابكه، وكأنه كائن حي له حركته النابضة بالقوة والإرادة، وبنظرة حادة تحدد الاتجاه الفكري نحو الهدف، وكأن اللوحة هي مشهد حربي تتضافر فيه القوى الطبيعية مع الانسان، ليحقق الجمال أو النصر أو السلام المحق، لكائنات لونية لها بنية تكنيكية فيزيائية كيميائية، توحي بأشكال متعددة لأشياء داخلية تخضع لرغبات الفنان والمتلقي، وكأنه يحرّض النفس على المجاهدة، لتخضع لإرادة الخط القلق التصاعدي، والمتناقض محاولا التقاط جوهر الفن التشكيلي، وجمالية أساليبه القادرة على خلق لغة خطابية بصرية خاصة. تدركها الحواس وتضيف للعمل الفني قيمة إنسانية قادرة على جمع الجمال والمقاييس الفنية في رسالة ذات معاني مؤثرة مقروءة بصريا، بصمت عقلاني يخضع الحركة لتحليل يتناول اللوحة من كل الجهات المعرفية والتكنيكية، كالمضمون والأسلوب والهندسة الوصفية مع أبعادها الخاصة.
تترجم يد «إبراهيم أبو الرب» بعقلانية عواطف النفس الوطنية الواعية، فتنهض حتى الضمادات، وتبرأ الجراح من صرخة فرشاة تقرع طبول الألوان على الخطوطـ، وتسخّر الاحاسيس الوطنية وتحثها على التجاوب مع الفكرة، كما تسخّر اللون لخدمة الخط حتى ان المتأمل للوحات «إبراهيم أبو الرب» لا يشعر بالخط! بل ينفعل مع اللون وضيق مساحة الكتلة المتراصة داخل المنظور الضوئي، وكأنه يجمع البصر في باقة لون شديدة التباين، لنشعر بقوة الفكرة الموجعة لشعب تنهض فيه حتى الدماء التي تسيل في كل مكان، فنشعر بالدم في عروقنا يجري بسرعة متأثرا بما يرى البصر، وبما تدركه الحواس من ترجمة صامتة لكل حركة ملحمية تراجيدية لها ايقاعها السمفوني، الناشط حسيا والقادر على تحريض الخيال، فتتكوّن الأشكال الحسية داخل الذهن ليبدأ العقل بتحليل النماذج اللونية الدفاعية، ويوضح الايحاءات ويحوّلها الى عناصر توحي بالتكثيف المتراص للخطوط البصرية، ليثير الانتباه الى المتغيّرات الاساسية في القضية الفلسطينية، وقدرة الشعب على مقاومة أي فراغ خارجي قد يؤثر على الترابط والتماسك الداخلي، لكتلة وطنية تشبه الجهاز المناعي في جسد الانسان.

يحاول «إبراهيم أبو الرب» رسم كل قطرة دماء سالت، ليجعلها تحيا في شرايين لوحة تمتلك ميكانيزمات رؤيوية اسلوبية خاصة، ومضمون مرئي بصري لكتلة متشابكة قوية الحبكة بصريا، ومنسجمة مع بعضها البعض. ضمن مساحة مقعرة ذات أبعاد فراغية بسطها بدقة مظهرا العلاقات المنسجمة مع بعضها والتي تؤكد على تآلف يعتمد على الاتصال والتخاطب، وخلق حوارات بين اللوحة والمتلفي، وكأن المثيرات اللونية ما هي الا خلايا بارعة التكوين مجهزة بقوة دفاعية مناعية تتكاثر بسرعة كبيرة، ليأخذنا الى ايحاءات استبطنها ليؤكد على إرادة شعب في تحقيق المصير. محاولا احداث تغيّرات في اتجاهات الخطوط اللونية وايحاءاتها المتعددة، وكأنه يصمم مشاهد حرب سينوغرافية ليصوّر مرحلة قادمة متطوّرة هندسيا وفنيا وجماليا، ولها وجودها الواعي والشبيه بالجهاز المناعي وتركيبة دماء عربية أصيلة لها مسراها الخاص، ومعراجها الزمني قبل أن تحقق وجودها الخالي من الأوجاع والضمادت ولون الدماء الأحمر القاني.

“لو أعطوني طول الكرة الأرضية وبعد التاريخ لكي أقول قضية شعبي فلن تكفي”

“لو أعطوني طول الكرة الأرضية وبعد التاريخ لكي أقول قضية شعبي فلن تكفي”

خطوط تقارب لها انحناءاتها الجمالية قياسيا ومفعمة بألون متناقضة، وخطوط عامودية مائلة، وكأنها أيادٍ ترتفع لقطف ثمرة تتهافت عليها الارواح القادرة على اختيار ما يستثيرها، لتحقيق الوصول الى هدف غير مرئي، لكنه محسوس ومرتبط بقدرة السماء أو القدرة الالهية الموصولة بالوعي الوجودي، والتفكير الموضوعي المؤدي الى نشوء رؤية لها أهدافها وجمالياتها المؤدية الى تحقيق مهمة انسانية تكشف عن فك عقدة تشبه عقدةالخطوط اللونية المتشابكة في لوحات «إبراهيم أبو الرب».
يحدد «إبراهيم أبو الرب» المسافات اللونية بدقة فنية قادرة على جمع المنظور الضوئي، وكأن اللوحة مقعرة الشكل رغم تسطحها، لانها تستقطب النظر فيتجه مباشرة الى الكتلة التي يريد «إبراهيم أبو الرب» من المتلقي أن يتفكر بها لتصل الى الفكر مباشرة، ويبدأ تحليلها فالعلاقات المترابطة بين الخط واللون والضوء ما هي الا انعكاس حقيقي، لمجموعة موتيفات شأنها شأن القضية الفلسطينية، لانها كلما زاد احتلال الأراضي الفلسطينية كثر الشعب وارتفعت الأيادي لتمسك بالحق، فالخطوط في لوحات «إبراهيم أبو الرب» تشبه الألياف البصرية أو تشبه رحلة الدماء في العروق الانسانية الواعية لوجودها، ولنشاطها الفعال وانغماسها في تراب مشبع بالوجع والحقيقة التاريخية التي لا يمكن محوها.
ينظر «إبراهيم أبو الرب» الى الفراغ، فيرى وطنه زاخرا بالجمال، فيحدد خارطة اللوحة تبعا لرؤاه، ولفضاءاته الحسية والتعبيرية، فيصنع كتلة متداخلة هي نسيج شعب يحاكي الفرح والألم، والحزن، والامل والقادر على النهوض بقوة في كل مرة، لتكوين حياة دفاعية تعيد للدم رمزيته الخالدة، فهو يطوي الفواصل، ويتركها كثغرات ضوئية تتنفس منها الألوان الانفعالية المتزايدة بصريا في كل اتجاهات. مما يساعد على اكتشاف ايحاءات بسط «إبراهيم أبو الرب» سيطرته عليها من خلال الشكل السيميائي المؤثر على الذائقة الجمالية بشكل عام، وهذا ما يجعل الخط يتألق مع تألق الألوان المتباينة، والقوية نسبيا محاولا تحقيق الكمال في صورة مشهدية تستطيع السيطرة على الذهن، فنتعاطف مع الفكرة والرؤية الايحائية، وكأنه يقارع العدو بريشة ولون وخط، ومؤثرات لها سلطتها وجمالياتها الإنسانية الدقيقة فنيا، والمهيمنة تشكيليا على المساحة وكأن الكتلة لا وزن لها. إنما هي حقيقة تتراءى بابعاد ثلاثية مرسومة بثقة متناهية لها تفصيلاتها السردية المحبوكة برشاقة تقنية، متناقضة مع الحركة ذات الخواص القادرة على رسم اتجاهات معاكسة، وكانه يؤكد على اصرار الشعب الشبيه باشتداد الرياح وهبوبهاـ فالاحساس بالخطوط اللونية المائلة والعامودية تتناسب مع السيمترية التي تبعث على الاستغراب. لأنه يمنح كثرة العدد حشدا ايحائيا، وكأنه ازاء العدو وجها لوجه، فهو يسعى الى ترويض المضمون لخدمة الشكل، وليحاكي الحركات التكرارية الايقاعية كاشفا عن توالف تأتلفه الحواس، وعن مواجهة فنية يقارع بها فنون العدو القتالية، فهل تتساوى الفنون التشكيلية وأهدافها مع فنون الحرب؟ وهل يمتلك «إبراهيم أبو الرب» موازينا جمالية استطاع تجسيدها في لوحات ترك فيها الإجابة عن كل تساؤل يخطر في فكر المتلقي؟
أعمال الفنان الفلسطيني إبراهيم أبو الرب من مجموعة متحف فرحات.
ضحى عبد الرؤوف المل

Advertisements