This slideshow requires JavaScript.

  

تحدد الخطوط اللونية العبثية التفاعلات الحركية بين فوق وتحت، وبين اتجاهات تحجب الواقعية وتجرّدها من البنية المتسقة موضوعيا، وتمنحها الفكرة الاسلوبية المتعاقبة رؤيويا، من حيث المنظور المتلائم مع الضوء، بوصفه عنصر إضاءة، تمنح اللوحة اشراقة تلطف الخصائص الموتيفية المستخدمة في تشكيل تصاميم تتحكم بالحجم والمساحة، وتتجاوز عن خصوصية جغرافية، ليتفرد بطابع هندسي جدلي، فيستبعد كل خط فيه الخط الآخر، وكأنه يتكلم بلغة بصرية عن الهندسة الجمالية الداخلية، وانعكاسها على الخارج مكتفيا بخطوط تتشابك، باتساق منطقي مريح للبصر بنيويا وتفكيكيا، فالتجريد عند «قيصر مقداد» مكتفي بذاته من حيث قوة اللون وتباينه. انسجامه وتضاده، ورمزيته المخفية المعنى بعمق يتراءى ايحائيا، مما يجعلنا نتساءل عن المرئيات المتحركة ببراعة سينوغرافية لائقة ومتزنة، وتتمتع بكفاءة تجريدية تحليلية ذات مضمون ايديولوجي جغرافي له جماليته وإيقاعه التراتبي من حيث المتناقضات ومن حيث الشكل.

تراكيب جزئية لرؤى ذات صيغة فنية. تشكلت بوصفها بنائية ضبابية اللون. فقد أسبغ عليها «قيصر مقداد» طبقات لونية مختلفة ذات نسب لها طولها الموجي، وخطوطها المرئية الغير قابلة للتغبير، وكأنها أعمدة تحمل المفهوم الجمالي الحسي، بريشة عكست بميتافيزيقية فلسفة «قيصر مقداد» لا شعوريا، فمنحت اللون قوة تغلبت على الفراغ، بل أقامت مع الخط علاقة بين الجزء والكل، لترتبط الأحاسيس بالطبقات الكثيفة للألوان المتعاكسة، والمتنافرة بتضاد يؤلف جوهرا شكليا، له شفافيته العملية تاركا الفكرة تتجلى في أبعاد مزجها بمنظور ضوئي، يمنح المساحة الجمالية ايديولوجية مرهونة بتجريد متداخل هندسيا مع اللون.

 

والخطوط العامودية، المائلة والمتكسرة والمتعرجة، ليبعدنا عن كل قسوة وجمود معتمدا بساطة اسلوبية تختزل من التقسيمات الثابتة، ما هو متحرك بوصفها كتل ذات جمالية تمنح اللغة المرئية نشوة بصرية، لها حضورها الادراكي والحسي، وتؤسس لتآلف متجانس بين الرائي واللوحة، وبين «قيصر مقداد»، مما يخلق لغة حوارية تتسم بالموضوعية وبمرتكزات هندسية لها أسسها التجريدية، وتوازناتها التعبيرية وانسجامها التصميمي مع قياسات الطول والعرض وتباينات اللون. ما من معنى ثابت في أعمال الفنان «قيصر مقداد»، فهو اعتمد على الابعاد الايحائية للتأثر والتأثير، بموضوعية تميّزت بالبعد الجمالي، والهندسة الحسية المتآلفة والمتوازنة مع العقلانية، والتصميم الجيوغرافي والاداء التقني المترائي خلف الشكل اللوني الجمالي، المتماهي مع الاحجام والكتل، والفراغ، والضوء، محاولا بذلك! إيجاد كيان وهمي وإخفاء الواقعية بطبقات تجريدية، ليجعلنا نغرق في البحث عن الدلالة للاشكال أو المجسمات الصغيرة ورمزيتها، وكأننا نفتش عن الرؤية بوضوح أو كأننا نبحث داخل اللون عن الشكل التائه في مخيلتنا، وهذا ما يستفز المتلقي ليتأمل اللوحة بحشرية فنية، محاولا استخراج المعاني الدلالية الكامنة في اتساق الألوان، والخطوط السيمترية، والايقاع الخاص بالملامح الانعكاسية المقترنة بمفهوم الفن وجماليته، والشكل وتقنيته، والبنيوية المستقلة جغرافيا من حيث التلاؤم والازدواجية أو الاسلوب المتناقض القابل للاختزال، وكانه يرسم لوحة داخل لوحة، ومنظور هندسي له ابعاده وسيمتريته المميّزة هندسيا، الخافتة فلسفيا والساطعة على الاسطح مع الألوان الحارة والباردة، والمتباعدة والمتقاربة، الناشطة حسيا وايمائيا، مما يستفز المتلقي على التأمل والتذوق، وهذا ما يحقق التفاعل الفني الخاص.

إنتصار مدينة

إنتصار مدينة

خصوصية فنية فدّمها وفق خلفيات ذات نقاط حدودية متعددة، لها «زمكانيتها» تاركا للمربعات والدوائر، والمستطيلات، والاخاديد اللونية لغة حركية تروي بجمالية قصص العالم والحضارات، وكأنه يمارس التكعيبية والواقعية بتجريد تأثيري له تعبيراته الرمزيه التي تقودنا حيث الحدود النائمة، وكأنه يعري المضمون من الخطوط العامودية بالمسافات الشاقولية، لتظهر الأشكال وكانها تختفي مرئيا، ولنجد ان اللون له سرديته الوظيفية التي تخدم الفكرة والمضمون، والتناسب التشكيلي بين عناصر الفراغ، والعناصر الجزئية المتناثرة هنا وهنا. كما في لوحة «تلوث جميل»، فالأبيض المبلودرامي ما هو الا لطخات فرشاة تغطي كل تلوث بيئي يصدر في مجتمعات بدأت تتصحر، لتظهر انعكاسيا كخطوط عشوائية لألوان مدتها الفرشاة بسماكة لها اهدافها الجمالية والفنية. 

زوايا أفقية تتقاطع من خلالها الألوان البصرية، المرئية واللامرئية ضمن ايقاعات منطقية لها جوهرها الميتافيزيقي، التعبيري كوحدات متكاملة وكتل لم تتجاوز الماورائيات، بل حافظت على وجودها في أرض تحتاج للسلام من الشمال والجنوب، والبقاع وصولا لبيروت في لوحات أربعة تجسّد اتجاهات لبنان الأربعة دون أن ينسى «قيصر مقداد» النقطة المحورية للبنان، الا وهي بيروت السلام، فبناءات اللوحة الهندسية ما هي الا لعبة خطوط ومربعات تراكيبية ذات مساحات خضراء، وزرقاء، وبيضاء، فالأسود المتنافر مع الأبيض في لوحة شموخ جبل، كأنه يجمع العناصر الجمالية للبنان في لوحة «فاتنتي الشقراء» والتي جعلتني أدرك ان الفاتنة ما هي الا الوطن المبعثر في خطوطه المتكاثرة، والمجموعة ضمن لوحة هندسية وصفية اتقن «قيصر مقداد» سينوغرافيتها، وسيمتريتها، واتساقها، وتجانسها، واخراجها.

أبجديات نسجها في مساحات أيقظت الحواس والبصر، ووضعتنا ضمن نظام رياضي له ألوانه، وخطوطه، وفراغاته، وعلاقاته الفكرية الانسانية الظاهرة في الاشكال والاحجام، من حيث تباعدها وتقاربها، وتلاشيها، فالنظم المساحية كانها خرائط مرتبطة بالمدن، وتحوّلاتها البيئية وألوانها الاجتماعية والانسانية، وكينونة الفن الهادف الملتزم هندسيا بالمنظور الرياضي للضوء، واللون، والكتلة، والشكل الهندسي، وكأن «قيصر مقداد» يخطط لتغيّرات زمنية، تجعلنا نعود دائما الى المكان وتطوراته الجغرافية، دون أن ننسى «الحدود النائمة» وتشظيها الكامن بين الخطوط، ولكنه استمد من لبنان مفرداته الجمالية، ووحداته التعبيرية وألوانه التجريدية متنقلا بين درجات اللون الواحد، والفواتح، والغوامق، والاشرافات الفوسفورية المخففة، والتي لم تتخلَّ عن الأسود وبيولوجيته الفاصلة بين جزئين، وبين مفهومين المضموني والهندسي والوجه الآخر للفن التشكيلي.

أعمال الفنان قيصر مقداد من مجموعة متحف فرحات.

ضحى عبد الرؤوف المل

dohamol@hotmail.com
http://www.kaissarmekdad.wordpress.com

 

Advertisements