ينطلق الفنان” حسن المسعود” من حرارة اللون نحو برودة الفراغ في فضاءات هندسية،تتخطىالمكان والزمان وتتكىء على لحظة زمنية لأحرف ولدت محاطة بالحركة، وخرجت بتنوع بصري متشظ ثلاثي الأبعاد، وتشكيل في فراغ يوازي الكتلة لتظهر مرئية، وكأنها ذات حركة ضمن بنائية هندسية مركبة، ومرنة بوعي يتجلى في اتساق الخطوط، والقدرة على الإيحاءات التصويرية التي تجسد الفكر الهندسي الديالكتيكي، وكأنه يوحد بين الخط والإنسان، فيدمج إيحاء الحرف مع حركة الضوء المتأثر باللون، ودرجات الطول الموجية، المنسجمة مع الفكر الفلسفي وسيكولوجية الكشف الخيالي، عن واقع ما هو الا نظريات فنية مختلفة هندسيا، تشبه اختلاف كل حرف وتقاطعه، وتلاحمه وتجانسه مع الآخر، لنشعر بروح الكلمة وارتباطها بالإنسان من حيث قوة كينونتها وجمالها الشكلي والمضموني واستحالة فصلها عن المعنى والأسلوب.


أشكال وظفها فنيا لتحدد ماهية الشكل من خلال المضمون العميق للكلمة، وعدد أحرفها والمضامين الجمالية المختلفة، والتلاعب بعناصر الشكل مع الحفاظ على التوازنات الجمالية بين المضمون والشكل، فيضع كل ذلك في قياسات تلتزم بالفكرة والقدرة على تنفيذها بنائيا، وكأن الرسومات هي تصاميم ذات مادة تستجيب بليونة لقساوة الخط، فنشعر كأنها منحوتة سابحة في الفراغ مع الالتزام بالانضباط الحسي، والنظرة الجمالية الملائمة تشكيليا وتكوينيا، فالتركيب الهندسي عند الفنان شبيه بالنحت ويقترن بالايقاع، والترابط الشديد بل المتآزر والمتآخي مع تكنيك اللون وتجانسه، وارتباطه بالمقاييس الحسية ، وهذا ما يرفع من القيمة الجمالية البعيدة عن الغلو، فتغدو العلاقة بين الفنان والرائي تتوازى من حيث التفاعل والتأثر والتأثير، والتعبير الديناميكي الحي الغني وجدانيا بالتصورات الذهنية وأبعادها الفنية.
تداخل لوني متزن بكل درجاته الطولية، فالشكل البارز في أعمال الفنان حسن المسعود هو انعكاس ضوئي للكتلة، يسبب إثارة بصرية ترفع من قيمة الخطوط الأساسية والجزئية، ولحظتها الحركية التي ولدت منها، فنشعر بقوة الشكل الأساسي المتوازي مع قوة اللون باعتبار الكلمة كائناً حياً، وجزءاً لا يتجزأ من كل متكامل متناغم المعنى. الموجود سرديا في اللون، وكأنه يبني خياليا من خلال ما نراه في الواقع مجسدا في لوحة كأنها مجسم يرتفع في الهواء، ليزداد الإحساس البصري بالشكل الجوهري، وتعبيراته الإيحائية ذات القواعد الهندسية الخاصة.
حروف متنوعة لها إيقاعاتها المتناغمة مع اللون والشكل المعاكس تكعيبيا، والمعتمد على المنظور الحسي والتعبير البصري، الازدواجي المتسم برؤية حيوية تجمع الإحساس بالحركة، والتجريد الهندسي المثير للادراك والانتباه من حيث الفراغ التشكيلي، والأجزاء المتنافرة والمتلاحمة مما يجعل البصيرة قادرة على التميز بين حرف وحرف، وعلى التطابق والصلابة بين الكلمة وانزياح حركتها التشكيلية، الديناميكية من خلال الزمكانية والتكوينات المرئية اللانهائية المفتوحة فنيا. نحو الضوء والظل، والخطوط الانسيابية الموسيقية غير المسموعة، والجامحة بعلوها وارتفاعها بخصوصية تقنية تحمل بصمات فنية خاصة بالفنان.


ما بين الخط المستقيم والخط العامودي إيقاعات ذات مفاهيم رياضية، لها متناقضاتها، صغير وكبير، هبوط وارتفاع، يمين وشمال، مغلق ومفتوح، مما يجعلها مركبة بتراتيبية تصميمية، كانها تصميمات لفن حركي صامت يشبه فن الباليه التعبيري الراقص. حيث تتحد الألوان مع الخطوط المتصلة بالفكرة، وكأن العمل الفني عند” حسن المسعود” عمل يبدأ من الكل إلى الجزء، والتناغم المترابط مع الكل من فكرة ، ويد، وريشة، ولون، وخط، لنشعر بتدفق المشاعر والموسيقى الإيقاعية لكل حرف، والحركة الراقصة المتمايلة بمعايير هندسية متصلة بالخيال الحسي، فالكلمة تشكل مسارات تمتزج بفونيمات العناصر الفنية المتآلفة ذات الأبعاد الفراغية، والفواصل المتباعدة متخذا بذلك صفة شرقية لها نظرتها الغربية منطلقا نحو المحاكاة الجامعة. لأن اللوحة مقروءة إيحائيا وتعبيريا وهندسيا، لتبدو أمامنا كخشبة مسرح لفن حركي إيمائي راقص.
يقول بيير ريفيردي :”بأن الصورة خلق ذهني خالص.لا يمكن أن تولد من مقارنة، بل من مقاربة واقعين متباعدين بنسبة أو بأخرى، وكلما كانت الصلات بين الواقعين المقاربين بعيدة كلما جاءت الصورة قوية، وكلما زادت قدرتها التأثيرية زاد واقعها الشاعري.”
بناء حروفي يتجاوز اللغة البصرية والحروفية، ويضعنا وجدانيا أمام مخيلة تعبيرية لها محاكاتها المؤثرة على حواس المتلقي، والمؤنسة للفكر المنفتح والبناء بتلاوينه الحسية، والمرئية والملامح الشفافة للالوان الاساسية الحارة والباردة، وكأن كل الحروف كائنات كونية تحمل صفات الكواكب من عتمة وضوء، وتقارب وتباعد، وقدرة على الحركة البعيدة والقريبة. مما يستدعي الحواس للتفكر بجمالية الشكل الهندسي، ومميزاته الانفعالية واللونية، ودلالته الرمزية المأخوذة من المربع والمستطيل ، والدائرة النابعه من نزعة خيالية. تأخذنا حيث الالوان الساطعة وبريقها الجوهري الشبيه بالوجود الانسانى، والعلاقات الاجتماعية وفعاليتها، وما يصدر عنها من حركة داخلية وخارجية، والقدرة على توظيفها للون رؤيوي واسع الخيال، مكوّن للكتلة المحورية في اللوحة وتشكيلها الحسي ، المتداخل نغميا لتراه العين بجمالية لها مقاييسها الابداعية.

This slideshow requires JavaScript.

* اعمال الفنان حسن المسعود من مجموعة متحف فرحات

http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=49566

Advertisements