يدمج الفنان عبد الرؤوف شمعون مفهوم المحاكاة مع فلسفة لونية غرائبية المزج من حيث التجريد والاحساس بالواقع، ومن خلال القوانين المعتمدة في موسيقى اللون، والاهتزازات الضوئية المنبعثة من روح الاشكال الايحائية داخل الشكل التجريدي، الراسخ فيه قيمة جمالية لها مقوماتها السيمائية، وارهاصاتها المحورية من حيث المفاهيم المضمونية الواضحة المعنى، ومن حيث الاسلوب الحافل بالغموض والصخب اللوني، فتنمية الرؤية والافكار تنضج بين الفواصل المرئية التي يتركها مستورة بين الخطوط المتناقضة. تاركا الظل وتوزيعاته تعتمد على ضوء حاد يتلاءم مع الخطوط العامودية والافقية، وانعكاساتها المؤثرة موضوعيا على مفهوم الرؤية والفكرة، وحدة الانفعال البارزة على السطوح، والمقروءة بصيغة ألوانسردية تروي قصة شعب مقهور. يعيش متماسكا بكثافة تظهر النماذج الانسانية المرسومة داخل تجريدات تؤكد على الواقع المبهم، وتموضع احداثه ضمن لوحة ديموغرافية تحدد سمات شخوصه الاجتماعية والانسانية، وملامح تكوينها العربي خاصة، فالعناية بالشكل الفني يعتمد على الاسلوب الوصفي المرتبط بقدرته الحاذقة على توليد حماسة بصرية. تعتمد على حاسة الابصار موجها جل اهتمامه على قضية شعب يصارع بسريالية الوان الحياة الانسانية المفروضة عليه.
يمنحنا شمعون فضاءات خيالية ذات مقومات جمالية مبنية على محاكاة الواقع تجريديا. مما يوحي بالغموض المستفز للحواس لتصل الى مفهوم الانسانية، ونبذ سريالية الواقع التي تسبب الوجع والتشرد للانسان بشكل عام، وللعربي بشكل خاص فرمزية الحجاب في لوحاته تنبع من تمسكه بشرق وظف رمزيته شكلا ولونا، وحجما، وكتلة، ومن خلال تفاصيل الحركة الدقيقة المتطورة فنيا من حيث التطابق والتباين، والتماثل اللوني واختلاف الدرجات اللونية، وتناسقها مع الضوء والظل، والتعتيم، والتفتيح، وتشخيص الغموض ليحوله المتلقي الى مفهوم. يكتشف من خلاله المعاناة الانسانية التي يطرحها الفنان في لوحاته الفنية الزاخرة بالحركة واللون، والهندسة البنائية المعتمدة على التصاعد النسبي في درجات اللون، والارتفاع، والتناغم النابع من المغزى الرمزي والحركي. لاشكال واقعية مبهمة جعلنا نتعاطف معها بعقلانية صورها، وكأن كل لوحة هي صورة اجتماعية لمجتمع ما زال يتمسك بمكانه اللوني الخاص به. ان حقيقة من خلال الالوان المختلفة مثل الازرق والاحمر والابيض، وان استشهاديا من خلال الاخضر الفسفوري والزيتوني او الاثيري الصامت ضوئيا، والمشع من الزوايا بتناقض سلبي وايجابي يفضي بخصوصية فلسطينية. تؤكد على بقاء الانسان واكتماله كما يكتمل الهلال في لوحة لها ابعادها الفنية حيث تركه يتوسطها بلون يميل الى الاصفر الذهبي، والموجود ايضا على شخوصه بتميز تكنيكي له قوة الاحساس الدرامي. المتمثل بمنطق تجريدي له واقعيته من حيث الايحاء بالاثواب الطويلة الملتفة على الاجساد، ومن حيث الصورة الجمالية بشكل عام.

ترتبط الخطوط الاساسية في كل لوحة بحدث ايحائي له ابعاده الفكرية، والاجتماعية والانسانية. كما له ابعاده الجمالية وفقا لنوع التأثر والتأثير بالشكل العام، للحجم والكتلة اللونية المتراصة، وكأن التجريد والواقع هما المحور المتلاحم الذي يوحي اليه بسكون ضوئي. يتشكل من خلاله المعنى، مكونا انطباعا حدسيا له نسيجه البصري وحواراته الاثيرية التي تتنامى داخل مشاعر المتلقي، المتلهفة لتفكيك الكتلة وفهم عناصرها المتماسكة، وشاعريتها الملحمية فهو يوحي ببنائية لها خصوصيتها التصميمية، وتعدد مساراتها الفنية في لوحة يسيطر علىها اللون الواحد غالبا. رغم وجود الالوان الاخرى، ولكن بشكل استثنائي مرتبط بالايحاءات المتراكمة التي تتكاتف مع بعضها. مصورة الملامح الاساسية المنسجمة مع قضية نضالية يريدها «عبدالرؤوف شمعون» مع شخوصه والمتلقي، فهو يحاور ذاته بموضوعية تنتقل الينا . مما يجعلنا نشعر ان استبدال الثوب بالكفن، وبالعكس لا تلغي فكرة الموت والحياة والوجود. بل ما هي الا انتقال مكاني لا زمان له، فهو يترك الفكرة محصورة بأجساد كالأثواب وبأرواح كضوء اثيري له جماله الخاص في تكوين اللوحة.

يتكىء عبدالرؤوف شمعون على المساحة واتساعها، ليؤطرها بمختلف الترابطات الفراغية التي تضمن التكافؤ البصري المريح للذهن. بدينامية لها تناقضاتها اللونية الحارة والباردة، لجعل الرؤية تقترن بالاسلوب والمنظور الفني للابعاد السريعة، والبطيئة داخل التشكيل اللوني المنصهر مع المفهوم الهندسي للخط، والتعبيرات الخيالية للاشكال التي تتراءى كأطياف نستشف منها الواقع، وانعكاساته الفنية على المضمون والاسلوب وضربات الريشة الصارمة، وكأنه يقدم مزيجا من الفرح والحزن والدراما التصويرية التعبيرية مع الالوان السينوغرافية ، والاضاءة المتوازنة مع الحركة وقوانين موسيقى اللون الصارمة.
يتركنا الفنان لنتشارك معه الحس الفني والاجتماعي، فالتجانس المتين في لوحاته بين اللون والكتلة، والضوء والظل، والخط والشكل العام. يحدد مدى التقاط المفاهيم ذهنيا عند المتلقي، فهو يفسح المجال للبصر من خلال الفراغات المدروسة تقنيا وفنيا. لاثارة الفكر والاحساس الوطني بقضايا الانسان والمكان وانغماس الريشة في انفعالاتها الوجدانية، لتسمو فوق مداركها الفنية وتمنح الرائي معنى الرسالة التي ترسمها ريشة عبد الرؤوف شمعون بمرونه لها نظامها ونشاطها، وادراكها الحسي المتناسق مع قوانين اللوحة التكوينية وتباين الالوان المؤثرة على البصر والوجدان، فالايقاع الحركي هو وليد المنطق التصويري لاسلوب تجريدي يغلب عليه التشابه والاختلاف، والمنطق الجمالي الممتزج مع وقائع سردية لها واقعها اللوني، والتأسيسي المحفز على اكتشاف الذات، وكأنه يصيغ هويته الفنية على اسس وطنية وعربية متمسك بها فكريا اسلوبيا، ومضمونيا وببراعة بث من خلالها همومه الفلسطينية العربية. بتكثيف زئبقي متحرك منسجم مع الرؤية الفنية دون ان يترك التجريد الهندسي لعفوية تخرج بعشوائية من فرشاة تعزف نغماتها على الوان مبثوثة، كفراش يتوهج مع الضوء والعتمة، والتفاصيل الغارقة بذكريات امكنة لها ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

 

This slideshow requires JavaScript.

ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com

Advertisements