gordon coutts

يحاول «غوردن كاوتس» تصوير الواقع من خلال رؤية فنية استشراقية تتصف بمنهجية، تتنوّع فيها جمالية الألوان التي تترجم لحظة زمنية التقط فيها غوردن تفاصيل الأمكنة، وكأنها تراثية النظرة وشمولية اللون، والخط، والحركة، والفراغ، والمساحة المفتوحة، لمشهد شرقي يتسع لتفاصيل دقيقة الملامح، ومجسّدة فنيا بأسلوب واقعي لا يخلو من مخيّلة تعبيرية طرحها تشكيليا من خلال اللون المتضاد، والمتميّز ديناميكيا فالمعالم الشرقية في لوحاته تتميّز بالأقمشة الملونة والقوية ضوئيا وجمالياتها، والوجوه وما تحمله من تعبيرات تزيد اللوحة اشراقا، والرؤية ابعادا تجعلنا نتأمل كل حركة وظلها، والضوء المتدرج من قوة الى خفوت وبالعكس، فدرجات اللون الأحمر والأصفر تمتزج مع برتقالي يتناسق مع الأخضر، ليظهر بصفاء على الزي الشعبي، وبمقاييس فنية تمنح البصر متعة الاستكشاف للأسس الفنية للمشهد التشكيلي بوصفه رؤية انسانية لحالة اجتماعية.
مقاربات رؤيوية لصيقة بواقع الحياة، ومتلاحمة شكلا ومضمونا مع انماطها اجتماعية وسلوكيات ترتسم على حركات الوجوه، فالنضوج الفني في لوحات «غوردن كاوتس» تظهر من خلال رشاقة اللون وشفافية الأبعاد المؤدية لرصد الحركة الضوئية وانعكاسات الظل حيث ترتسم الانحناءات المتناغمة مع الخطوط اللونية بشكل عام. فروعة التكوين التشكيلي في أعمال كاوتس تعتبر هوية جمالية تتميّز بها أعماله المرتبطة بالإنسان في الشرق، ومعالم بيئته المنسجمة مع الزمان والمكان، ولريشة تتوق الى بث الألوان مباهجا خاصة من حيث التفتيح والاشراق، والتوهج ملتزما حسيا بالبورتريه التي تظهر معالم الوجه الشرقي، وان برؤية غربية تتطلع الى الشرق والانسان المستوطن أمكنة شبه صحراوية، أو تميل الى الألوان الساطعة والقوية في اللباس أو للون أبيض يظهر نوعية من الناس ايضا، تختلف من حيث اللباس مع الإشارة الى النخيل، والى أمكنة تختلف فيها ألوان البشرة التي تميل الى السمرة والمتناسقة ايضا مع الفضاءات الخيالية، لواقع ترك فيها القوة الوجودية للون أبيض مميّز مثير ذهنيا، ويبث ثقة تلغي الغموض فيها، فتواشيح الألوان وتكنيكات مزجها تجعل المتأمل لها يغوص في أعماق التفاصيل والحركة والمساحة، فيشعر بأجواء المكان المتجدد لان لغته المرئية ذات معطيات تؤرخ لاجناس بشرية خاصة بالشرق وتراثه اللوني.

Gordon coutts .

يظهر «غوردن كاوتس» قدرة على خلق تآلف حسي يهدف الى منح قيمة جمالية لتصاوير رؤيوية مؤثرة وجدانيا، وجذابة جماليا. فهي تحمل نفحة زمنية ومحاكاة فنية، لمشاهد متعددة من الحياة رسمها «غوردن كاوتس» بتفاصيل واضحة المعالم، وتنطق بدلالات ايديولوجية تجسّد مقومات مجتمعات شرقية، برزت في تكثيف اللون المستوحى من فواتح لونية تتميّز برقة تركيبية تسيطر على الخطوط وأبعادها الهارمونية الدقيقة فنيا، فهي تعج بالموتيفات وتشكيلاتها التفصيلية المتباعدة والمتقاربة، المرتبطة أيضا بالبيئة والمناخ وعلاقة الإنسان الشرقي بذلك.
رصانة في سمات تشكيلية تزدحم الألوان الألقة فيها، والأشكال المتأثرة عاطفيا بتفصيلات أظهر انفعالاتها بتقنية واقعية، وتعبيرية متأثرا بجماليات انعكست على لوحاته انطباعيا، فالعناصر الفنية المؤسلبة سيميائيا تفتح الخيال نحو استراحات ذهنية، تترك الحواس في حالة من استدراك لكل اختصارات لجأ إليها «غوردن كاوتس» هندسيا ليخلق توازنات بين اللون والشكل، والفراغ، والمساحة، والضوء، والظل، والسطوع المغموس بتحوّلات لها ألوانها المشرقية الخاصة، وبزهو الانسان وفلسفته الذاتية النابعة من فطرة وعفوية، ترعرع عليها وتركته يحتضن الطبيعة الوجودية مشرقيا من خلال لوحات تحمل نفحات استشراقية، وتقنيات لونية تأخذنا الى عوالم التصوير الواقعي، ولكن بريشة فنان معشقة بلون أبيض يدعو المتلقي الى الحوار والتأمل والاستمتاع.
رؤى فنية استشراقية ذات معايير جمالية لها تصويراتها السيكولوجية زمنيا، فخصائص الجماليات في لوحات «غوردن كاوتس» تحاكي التعبيرات الممزوجة بمشاهد غنية سينوغرافيا، ومتباعدة فراغيا، فالثراء الموضوعي ممتع بصريا وفكريا وحسيا بسبب اعتماده على نسب معينة تدرَّج فيها باللون والخطوط، والمساحة، والسطوع، وترك اللوحة كمشهد استعراضي مفتوح على تأويلات فلسفية متعددة بتوليفاتها المتنوعة في لوحة واحدة، فالمرأة ذات البشرة السوداء والوشاح الابيض الممزج بألوان أخرى تتقارب وتتباعد تكنيكيا من حيث الشفافية والكثافة والتآخى مع الألوان الأخرى. فالمرأة تحتضن طفلا تميل بشرته الى اللون الابيض بدرجات تنعكس من خلالها الألوان الأخرى من حولهما، مع اختلافات في الظل والضوء ولون يدها المتناقض مع لون نستمتع بمزيجه على ثوبها الشرقي الزاهي بألوانه المشرقة، فالابعاد بحد ذاتها تضفي طابعا تصويريا تتضارب فيه الأساليب الفنية من واقعية وتعبيرية تركت للبورتريه صفة إيجابية ثرية بالعناصر والموتيفات والتباينات الدينامية التي تمنح الفكر أبعاد رؤية «غوردن كاوتس» بالشرق ومن فيه.

Gordon Coutts

دمج لوني ازدواجي، تمخض عنه تأثر وتأثير بالايقاع الموسيقي، المصبوغ بنغمة حركية تروق للبصر، ويستسيغها الحس الفني بتمايز تنجذب له الحواس وفقا لقياسات هندسية، وأبعاد سيمترية تشكل أساسا لوجود الألوان الحارة والباردة في لوحات تمثل جزءا مهما من الحياة والبيئة المناقضة باجوائها للغرب. بوصفها شديدة العاطفة اللونية وواقعية المشهد المرئي، وابداعية بتنوّعها البانورامي، لما تتميّز به من سلاسة بصرية يستمتع بها المتلقي عندما يتأمل تفاصيل كل لوحة مسرحية في تشكيلاتها، وتكوين الحركة التعبيرية على وجوه شخوصها المستمدة شرقيا من تراث فلكلوري فني او اجتماعي بحت، فالانماط الفنية الاساسية تضعنا امام تساؤلات ذهنية تعصف بالوجدان، فهل يستطيع الفنان الغربي التقاط الظواهر الفريدة في الشرق، وما تحمله من ألوان مخلوطة بسطوع يبعث البهجة في النفس؟ ام ان الاثارة البصرية هي سبب في تصوير الواقع الشرقي بكل تفصيلاته وجزئياته الجمالية؟ أم ان غوردن «كاوتس» يحمل فكرا انسانيا يهدف الى تصوير جمال الانسان في اي بيئة تواجد فيها؟
أعمال الفنان «غوردن كاوتس» Gordon Coutts من مجموعة متحف فرحات.

ضحى عبد الرؤوف المل

Advertisements