This slideshow requires JavaScript.

 

يفتح الفنان «محمد الركوعي» نوافذ الخيال، لنشاهد تفاصيل الواقع في قلب كل فلسطيني يحلم بألوان الحرية، ولتنطلق الحواس بدون قيود نحولوحات تمثل الواقع المتخيل الذي يدفع الرائي من الداخل الى الخارج حيث الحلم التحرري، والانطلاق مع الطيور نحو الدائرة الكونية. لتجسيد العودة برمزية تبدأ من النقطة اللامتناهية الى الدائرة الحياتية المغلقة، فالتوظيف الفني متلائم مع الشكل والمضمون ومع الاحاسيس الصادقة النابعة من فواتح الألوان الاساسية والمركبة،  وكأنه يسرد همسات وطنية يبوح من خلالها بالهموم العامة للشعب الفلسطيني. أو بالأحرى للعودة دائما الى الجذور التراثية للكوفية الفلسطينية أو للمرأة التي ترمز الى الوطن وأصالته، فالارتسامات الواضحة ايحائيا في المعنى والاسلوب هي نتيجة فكر وطني يلامس جماليات اسلوبية تتراكم فيها الاشكال الهندسية العفوية، المتوائمة مع الفراغات الايقاعية المتناغمة مع الالوان الشفافة الغارقة برومانسية متغلغلة في الموتيفات البنائية للوحة الفنية. 
تسيطر الالوان الشمسية الحادة والشفافة بالانطلاق نحو سماوات مفتوحة تتخطى المساحات اللونية وتعبيراتها العميقة واقعيا،  فالتدرجات اللونية للاحمر المركب والبرتقالي المحمر احيانا. تثير البصر وتخلق حركة تنسجم مع الاخضر الاساسي،  والرمادي المزرق حيث يسرد « محمد الركوعي»  قضية وطن يحلم بالجمال، فيتحرر قبل أن يتحرر من خلال رسوماته النابضة بالألوان الأحمر،  والازرق،  والاخضر،  والاصفر،  فالمساحات الفراغية في لوحاته هي أطر الغوامق والفواتح، وتكنيكات الالوان التي تحاور البصر والذهن،  وتمنح الحس ادراكا نفسيا لتعميق الشعور بالوجود الخارجي.  او ما هو خلف القضبان التي تنمو عليها أشجار الزيتون التي ترمز لفلسطين،  ولقوة البقاء المعطاءة داخل وطن سيثمر رغم القيود المفروضة عليه.
شعور بالحس الوطني يتسرب إليك،  وأنت تتأمل تفاصيل لوحاته المتحررة من السجان،  ومن جسد يقبع بين جدران لونها بموتيفات فنية تركته يلجأ الى التعبيرات المكبوتة داخل نفسه التواقة لتحقيق أهدافها الوطنية،  والحس بالانتماء الوطني الذي يغلب على الرموز المكثفة في لوحات تطير خارج فضاءات تتسع للواقع المتخيل،  والقادر على ابراز الرقة والقوة ، والخيال والواقع،  والخير والشر، والرسالة الوطنية المكتوبة باللون والخط والشكل،  والمساحات التشكيلية الغارقة بتفاصيل تأريخية، وبرموز فنية تقودنا نحو ارادة فنية ووطنية تسعى الى تحقيق الحلم على ارض الواقع المملوء بالأشرطة الشائكة،  وبالأصابع المرفوعة التي تتهافت لنيل الشهادة،  وكأنها شمعة تذوب وتكتسي في الحياة النضالية لشعب فلسطيني ما زال يئن ابطاله خلف قضبان السجون الاسرائيلية. 
مكنونات داخلية لونية.  تفيض فضاءاتها الحسية بالمشاعر الفنية التي تهمس بالحرية،  حيث يحاكي «محمد الركوعي» القضبان الحديدية الهشة،  فيشطرها لتظهر زهرة أو وردة او قوس قزح  أو لتنزف القيود الدموع قبل أن تتقطع او تتكسر، كخشبيات مهترئة لن تدوم ابداً. لأن الركوعي يعتمد في واقعيته الحالمة على الرموز التي يخاطب بها الأذهان،  فالأيادي المقيدة والمرفوعة هي فلسطينية من حيث الخطوط الشبيهة بخطوط الكوفية الفلسطينية التي ترمز الى الاصالة والقوة،  والثبات وبالقدرة على متابعة النضال حتى تحرير فلسطين. 
تباين وتماثل بين الرمز والشكل، وبين المضمون والاسلوب واللون .ليكشف عن فكرة التحرر الملتزمة بالانتماء الوطني، فالحمامة ذات التأثير الايحائي تتمتع بخطوط تترابط مع بعضها البعض، وكأنها كوفية تطير عن الاكتاف من مكان الى مكان قبل ان تعود الى مكانها الحقيقي،  فهل يريد «محمد الركوعي»  ايصال الرسائل الفنية مع الحمام الزاجل بعد ان يتم تكسير القيود التي طال زمانها؟. أم أن اللون هو السرد الرمزي لقدرات الفنان داخل السجون الاسرائيلية؟ 
رسومات مثقلة بتصاوير خرجت من خلف القضبان،  لتؤلف طبيعة ثلاثية هي المرأة والحمامة،  وغصن الزيتون،  وفي المقابل قضبان السجون الحديدية،  والأشواك في سياج تمسكه الاكف بقوة  والقيود الحديدية، وكأنه يحاور بموتيفاته الخطوط والالوان،  والاشكال والضوء المتحرك مع الانعكاسات اللونية التي يخضعها «محمد الركوعي» لمزاجية ريشة غاضبة. تحاول الابتعاد قدر الامكان عن الاغلال والعتمة والحصار، فتخلق ايحاءات فنية في فضاءاتها الواقعية بقدرات زمنية ترمز الى امكنة محددة لا يريد «محمد الركوعي» مغادرتها لتبقى ضمن الزمان والمكان في تاريخ فلسطيني يحمل معاناة ترمز للثبات على ارض الواقع، ككتلة تمد جذورها داخل ارض لا يمكن سجنها حيث الخط العامودي يتصل بالدائرة البيضاء والحمراء والخضراء ومع المرأة الممسكة ببارودة قتالية، كانها الركن الاساسي لبقاء بيتها، لتتوازى الرؤية السياسية مع الرؤية الجمالية المسكونة بحلم التحرر والعودة.
مفردات رمزية مألوفة فنيا، ومصداقية تشكيلية ترجمها ببساطة وعفوية،  وكأنه يكتب رسالته الى السجناء في الداخل والخارج.  ليتحرروا من ضعف القيود الذاتية،  وليخرجوا بأرواحهم من القضبان حيث الحقيقة اللامتناهية، المنتظرة في  العمق الايحائي، والترابط الواقعي، والوصف المكتمل مع سرديات الالوان وارتساماتها المجاورة والمتحاورة. لأن قوى اللون الاحمر هي في اللون الزهري المركب،  والاخضر الزيتوني المنسجم مع تطلعات الشموخ والبقاء حيث تزداد الحركة بين الساكن والمتحرك،  والظاهر والباطن، فالتأثيرات الأسلوبية تنشط عند وشاح المرأة او غطاء الرأس المنساب بليونة تعيدنا الى فكرة البداية والنهاية، والى ارتباط رمزية المرأة بالوطن وبالمحبة والسلام.
مدلول فني يضفي على المعنى  جمالية خاصة.  يستعملها «محمد الركوعي»  لجذب الحواس  الى عمق اللوحة، وللاستقراء الذي يؤدي الى التوسع في المفاهيم الفنية التي تدعو الى التمسك بالقضية الفنية من خلال اقتناص الرمز في خدمة المعنى،  ومزج اللون واستخدامه في الايحاء الى ريشة محاصرة تحلم بألوان أخرى، تمتاز بخصوصية حياتية لا يمكن اختصارها فقط بالأبيض والأحمر،  والأزرق،  والأخضر. لأن التكوينات البصرية تلعب دورا مهما في اذكاء مخيلة الرائي، لينطلق مع «محمد الركوعي» نحو الواقع ولتصبح اللوحة كرسالة  اعلامية يحملها الحمام الزاجل لتتناقلها الاجيال من جيل الى جيل
أعمال الفنان  الفلسطيني محمد الركوعي من مجموعة متحف فرحات.
ضحى عبدالرؤوف المل

Advertisements